النشيد المكتوم للإنسان

06 اغسطس 2020
الصورة
نافذة لم نحلم بها في الكوابيس (Getty)

يرمي الأدبُ بصورةٍ عامة إلى المشترك الإنساني؛ حتى إزاء الحروب التي تخربُ علاقات البشر وتباعد فيما بينهم، قلّما يحيدُ الكاتب عن هذه السمة الأدبيّة التي تَنقلُ الواقع الضيق على هيئةِ واقعٍ أرحب، يتجاوز القتيل والقاتل إلى حدث القتل ذاتهِ، ويتجاوز حدثَ القتل أيضاً إلى أمارات السلام والعيش.

إذا ما أراد الكاتب أن يتّخذَ موقفاً في أعماله، فهو يتّخذهُ ضد الحرب أولاً، لا ضدّ المتحاربين. إذ ما إن تقع الحرب حتى يعي الجميع أنّ المأساة قد وقعت، ولا يوجدُ أدبٌ يستطيع منع المأساة التي ما لبثت تتكرر طوال الأزمنة. وإنّما هناك أدبٌ قد يجمّلها، لا في دفع الآخرين إلى القتال، وإنّما عبر قراءات سردية في العنف، وعبر إعادة العنف إلى النفس وأزماتها، ومن خلال البحث عن مضامين إنسانيّة تُظهِر معادن البشر بعبورهم تجربة الحرب غير الرحيمة. 

في الإلياذة يتّضحُ درس الأدب الأمضى فيما يرتبط بالحرب موضوعاً. رغم أنّ هوميروس كتب صفحاتٍ كثيرة في وصف الحرب عتاداً والمعاركَ قتالاً، ورغم الأوصاف المسهبة في تمجيد البطولة والقوة، إلا أنّ ما يبقى من ذلك النص الملحمي في دخيلة القارئ، بعد خفوت أصوات المعارك، تجهيزاً ووصفاً وحشداً، هو المواقف الإنسانية التي تنضجُ في صدور المتحاربين وتضفي على المعارك التي لم تتوقف شيئاً من النشيد المكتوم للإنسان الذي أرهقه القتال. وهو رجاءُ أن يتوقف الموت، أن تتوقف تلك الآلة الباردة التي اخترعها الإنسان وألهبتها الآلهة بالنار والعقائد. ما يبقى هو خوف المحبّين على أحبتهم وخوف الزوجات من انهيار أعمدة بيوتهن. إلى جانب لحظات الوداع التي تمثلها زوجة هيكتور أخلص التمثيل، ولحظات الفقدان التي يمثلها والده أخلص التمثيل، ومواقف الصداقة التي يمثلها أخيليوس عند مقتلِ صديقه باتروكلوس.

في صمت الحروب وانتظارها، ينشأ رعبٌ آخر

لكن اعتبار الحرب موضوعاً سردياً هو أمرٌ يقع على مفارقة شاقة، فأن نصوّر حدوث حربٍ هو فعلٌ يتمُ لأجل التنديد بقوانا كبشر، وبسعينا غير النهائي لأن نخرّب الكوكب ونلطخه بالدماء. أمّا بالنسبة للمحارب، فقد يجدُ المعالجة برمّتها معالجةً مختلفة. ثمة في رواية "صحراء التتار" للكاتب الإيطالي دينو بوتزاتى(1906-1972) مثالٌ بارعٌ عن حربٍ لا تقع، وبالرغم من عدم وقوعها فهي تهدر حياة بطل الرواية دروغو. 

يذكر الكاتب أنّه كتب الرواية كي يتندّر بوظيفتهِ مُحرّراً أدبياً، وأخذ موضوع الحرب، التي لا تحدث، مثالاً للوظائف والأعمال التي تَسلبُ عمر الإنسان من غير طائل، وتهدرُ سني شبابهِ وراء "المكاتب" والتي تُمَثَّلُ في الرواية بحصنٍ يقع على تخوم الصحراء، حيث يعيش البطل لثلاثين عاماً في انتظار قدوم الأعداء. 

إنّ غياب الحرب هُنَا، لَعِبَ دوراً في تحطيم حياة المحارب، وبتر غايتها. وقد عاشَ حياته منتظراً، بين أناسٍ أغراب وفي بيئة قاسية. وما إن تحين الحرب حتى يُنقَل من الحصن، بسبب المرض، ويموت في نزل على الطريق قبل عودته إلى منزله. بدا غياب الحرب أصعب، بالنسبة لرجل عسكري، من حدوثها. ولا جدوى الأعمار التي تُوضَعُ في مهبّ الحرب تمتدُّ في هذه الرواية إلى فكرة غياب الحرب، أو انتظارها. 

سواء حضرتْ الحرب أم غابتْ، فلها تلك القدرة على اختبار إنسانيتنا، إذ لا تتوقف عن امتحان القيم ودفع الإنسان إلى بلوغ ذرى استجاباته النفسية. 

بين أصوات المعارك يطغى نغمٌ يائسُ بأن ينجوَ المقاتلون، وفي صمتها وانتظارها، ينشأ رعبٌ آخر، وتَرقُبُ أن يحرمَ المقاتل من فرصته بأن يكون شجاعاً. وبين الخيارين القاهرين، ينشدُ الكُتّاب مصيراً مستمراً من العذوبة التي تدفع الحياةُ أبطالها إليها، بعدما عبرت بهم مسارات الهلاك. 


* كاتب من سورية