النزوع إلى السلم من الإسلام

09 يوليو 2014   |  آخر تحديث: 22 يوليو 2020 - 05:54 (توقيت القدس)
+ الخط -

نتمنى أن يعيش أبناؤنا في سلام، وأن تضع الحرب أوزارها، وألا تفجع رصاصة غادرة قلب أم وأب بابنهم، قد يعتقد بعضهم أن مثل هذا الكلام غريب على الثقافة الإسلامية، ويدل على انهزامية وخوف من الموت، وأن القرآن يأمرنا بالقتال من دون هوادة.

أن يحلم المرء بالسلام، فهذا هو الشعور الطبيعي الذي تمليه الفطرة السليمة، فهل حقاً يأثم المرء حين يحلم بالسلام والوئام بين البشر، وهل تقتضي الشجاعة أن نعشق القتل وسفك الدماء ونحب الموت، وكيف يستقيم هذا مع كون الدين هو نداء الفطرة، التي جبلت بطبيعتها على حب الحياة وكراهية الحروب.

لعل مرد هذا الخلط الناشئ هو انتزاع الآيات القرآنية المتعلقة بالقتال من سياقها الصحيح، والظن أن وجود هذه الآيات يعطي أولويةً للقتال دائماً، بغض النظر عن حيثيات الواقع ومدى اتساعه لخيارات أخرى.

نعم، هناك عشرات الآيات القرآنية التي تتناول أحكام القتال، لكن، ما ينبغي ملاحظته أن الدين لم يأت إلى واقع لا يعرف القتال، فصار الناس يقتتلون، بعد ذلك، بأمر الدين، بل إن آيات القتال هدفت إلى تنظيم حالة موجودة فعلاً، وليس في وسع الدين أن يلغيها جملةً واحدةً دون تمهيد.

ما دام هدف آيات القتال تنظيم حالة موجودة، وليس إنشاء حالة جديدة، فإنه لو جاء يوم توافق فيه البشر على وضع أوزار الحرب، واستبدالها بوسائل جديدة في المواجهة، منها تسوية الخلافات ضمن حالة السلم، فلن تكون هناك مشكلة بالنسبة للدين، لأن آيات القتال، تأتي عموماً شرطيةً، فما دام فعل الشرط قد انتفى، فلن يكون هناك جواب الشرط بالتأكيد.

القرآن يقول: "كتب عليكم القتال وهو كره لكم"، وهذا يعني أن ظروفاً اجتماعيةً سابقةً لنزول الآية اقتضت نزولها، فإن زالت تلك الظروف التي اقتضت القتال، لم يعد هناك مبرر للقتال، لأنه لا يدور في فراغ، بل يأتي نتيجةً لمقدمات موجودة.

لكن القرآن لم يكتف بهذا الموقف الدفاعي من موضوع القتال، بل إنه بادر في عشرات الآيات إلى ترسيخ ذم القتال وسفك الدماء بغير حق، ما سيعطي شعوراً في نفوس المؤمنين بالقرآن، بأن القتل وسفك الدماء مذموم في عمومه، وحين يسمح به القرآن، أو يفرضه، فينبغي أن يظل هذا السماح حالةً استثنائيةً، وليس أصلاً مطلوباً لذاته.

كما أن القرآن يحدثنا عن منة الله على الصحابة الكرام، بتجنيبهم المواجهة العسكرية: "وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا". هذه الآية جديرة بالتدبر، فلو كان وجه امتنان الله تعالى على المؤمنين بأنه عصم دماءهم، لاكتفى بالقول "كف أيديهم عنكم"، لكن أين هو وجه الامتنان في قوله تعالى: "وأيديكم عنهم"، أي أن الحرب، برمتها، مذمومة، حتى لو كنت منتصراً عسكرياً فيها، فالامتنان، هنا، هو في عدم وقوع المعركة أصلاً، وهذه اللفتة القرآنية تنبهنا إلى طبيعة التوجه القرآني العام، وهو تفضيله خيار السلام على خيار الحرب، وأن الحروب لم تكن يوماً محل افتخار وتقديس، بل إنها كانت حالةً اضطراريةً، حين تعدم الوسائل الأخرى، أما حين يصير بالإمكان البحث عن وسائل أخرى أكثر سلميةً، فإن الدين سيفضلها.

إن القرآن في الوقت الذي يعطينا فيه الحق للحلول العملية الوقتية، فإنه يفتح الباب أمامنا للارتقاء بالواقع إلى مستويات أفضل. والقرآن، بطبيعته، رسالة رحمة وعدل وإحسان، ويحثنا على التنافس في فعل الخيرات، وهل هناك خير من أن يوقف الناس القتل وسفك الدماء والإفساد في الأرض، خصوصاً إذا ما كانوا يقدمون على ارتكاب هذه الأفعال باسم الدين.

avata
avata
أحمد أبو رتيمة (فلسطين)
أحمد أبو رتيمة (فلسطين)