النخبة صنفان
يُعرَفُ من يحتلون مقدمة الصفوف في أي مجال كان، بالنخبة. ووفق روح العصر، يعبر هذا المصطلح عن قادة تكوين الرأي العام في المجتمع، وأصحاب الشأن في تكوين التوجهات العامة، إلا أن هذا المصطلح تعرض على مدار تاريخ نشأته إلى حالات من التمدد والانحسار.
استخدم المصطلح، أيضاً، ليعطي دلالة مغايرة، مشيراً إلى الفئة، أو الطبقة التي تضم المحامين والمهندسين والأطباء والمعلمين، وسواهم من أصحاب الياقات البيضاء. بما يمتاز أهل هذه الفئة عموماً بانفتاحهم على الحركة الأدبية والفكرية، وتمثيلها حلقة وصل بين الفكر والثقافة المجردين، وبين حال الشارع والحياة اليومية، كذلك يتمايز هؤلاء بـأنماط معيشية وعادات حياتية، تتميز عما هو متاح لباقي فئات المجتمع.
لكن المصطلح لم يعد محصوراً في التعبير عن تلك الفئات، الآن، وعلى الرغم من تعرضه لتشويهات عدة، خصوصاً بتعدد أوجه إطلاق هذه الصفة، وحصرها في أحيان كثيرة برديفي السلطة المستبدة، والقريبين منها إلى حد عدم القدرة على التفريق بينهما، إلا أن المعيار الحقيقي لإطلاق هذا الوصف، يظهر في أوقات الأزمات التي تمر على المجتمعات، فيتبين فيها من فعلاً يقدم على أفعال ومواقف نخبوية، متميزة بمستواها، وبما تحمله عن غيره، ويظهر من يوظف هذه الآراء لخدمة السلطة، ومن يسخرها لخدمة الشعب.
كثيراً ما نسمع مفهوم صناعة النجم، أي أن من يكون ضمن الفئة المعروفة بالنخبة، أو يتم إظهاره نخبوياً، يكون نتاج عملية صناعيه، أو عملية تأهيل لاحتلال هذا الدور. وفي هذه الحالة، لا يهم أن يكون جديراً أو مستحقاً للوصف بالنخبوية، بل الأهم أن يكون مطيعاً وأميناً في خضوعه وطاعته، ويكون هدف السلطة المهيمنة من هذه الصناعة، استخدامه في وقت الحاجة، ليس لإنارة طريق العامة، بل لتضليلهم، وتزييف وعيهم، وحرف إرادتهم.
يشكل هذا النمط محوراً أساسياً تعتمد عليه الأنظمة المستبدة لإنتاج نخبٍ، تدافع عنها باختراع المقولات التبريرية لاستبدادها، ولا يشذ، بطبيعة الحال، الحكم العسكري في مصر عن هذه القاعدة، ولا نظام بشار الأسد كذلك، ولا غيرهم من المتسلطين، بل تكاد تكون هذه إحدى نقاط التقاطع بين جميع الأنظمة الاستبدادية، عربياً وعالمياً.
من أشد البلاء، عندما يقع على كتفي المجتمع مثل هذا النوع من النخب المصطنعة، التي لا تتورع عن اختراع أي أساطير فكرية وثقافية، للدفاع عن مشروع سياسي، يقصي المجتمع ويهيمن عليه. لكن، هذا لا يعني انعدام ما هو مغاير وبديل لهذه الشاكلة من النخب، ويبقى للشعب نخبته، ويبقى له من يثق به من مثقفين ومبدعين وأصحاب رأي من إعلاميين وقادة رأي وفكر، لكن هؤلاء يواجهون مصاعب جمة، من شأنها إسكاتهم، أو إخفاؤهم، أو إيقاع الضرر بهم، بما يضمن انعدام أي صوتٍ مخالفٍ لصوت النخبة التي تصفق للحاكم.