10 ابريل 2019
النخبة المصريّة والتماهي مع الطغيان
السيسي قدّم نفسه للشعب على أنه "الجنرال المخلص"
صورة جديدة من صور التماهي مع الطغيان تتجاوز رياح التغيير التي هبّت، فغيّرت النُظُم الحاكمة في تونس ومصر وليبيا واليمن. الصورة العائدة الآن، بعد تجاوز ثورات الربيع العربي مرحلة الفطام، حالة يرقص فيها الطاغية طرباً لانتخابه، بعد تلميع صورته، وإخراجه عن الحالة العادية إلى الصنمية.
إذا كان الربيع العربي صنعته الجماهير، فمَن الذي صنع الطاغية؟ والحديث عن مصر التي لا ينبغي لأحد أن ينكر أنّ ما حدث فيها كان انقلاباً عسكرياً، وليس نسخاً لثورة بأخرى، كما يدّعون. وبعدما كانت تُزاور الشمس عن هذا المكوّن المجهول ذات اليمين وذات الشمال، سطعت فيه مباشرة، فانكشف تشكيل من نخبويي القوى العتيدة، المتبقية من نظام حسني مبارك، مع مؤيدين سابقين للثورة، عادوا، الآن، وأيدوا الانقلاب لكي يضفوا عليه نوعاً من الشرعية. وتحت سمع العالم وبصره، تحول هؤلاء من منادين بالحريات والحقوق والمساواة، ومطالبين بالديموقراطية، إلى منقلبين، ليس على نظام اختاره الشعب في انتخابات نزيهة فحسب، وإنما على مبادئهم التي تنكروا لها.
ابتدرت النخبة ذلك التحول، منذ كانت ممثلة في "لجنة الحكماء" التي تكونت من رموز نخبوية مصرية، إبان ثورة 25 يناير، حيث بدأت طرحها بمعارضةٍ ناعمةٍ لاستمرار اعتصام التحرير وقتها، ولما تحوّل هدير الشعب إلى ثورة، قامت بتبنيها، لأنّ صوت الجماهير كان أعلى، واكتفت بوصفة "حكماء الظل"، ثم تلونت بعدها مع التيار، إلى أن انتهى بها المطاف إلى "لجنة حكماء حملة انتخاب السيسي".
ركنت هذه النخبة إلى العيش في جلباب مؤسسة الجيش، ومن على أكتافها، نفخت في جسد الطاغية، إلى أن كبر. ولئن كان الطغاة على مرّ التاريخ يُصنّفون كمَن يعانون شروخاً نفسية عميقة، تساهم في تشكيل شخصياتهم، فإنّ هذه النخب تقتات يومياً من النقائص الشخصية نفسها التي تجعلها تنزع إلى مَن يمثّل الشر باسمها، بينما هي تتمسّح بالخير.
نجحت النخبة، إلى حدّ ما، في صنعة "الجنرال المخلّص" إعلامياً، بل هيأته لذلك بشحنه النفسي، بترديد أسطوانة "الشعب العظيم هو القائد والمعلم" في خطب جماهيرية كثيرة موجهة للشعب المصري، إبان ظهوره في وزارة الدفاع. ونجد هنا نوعاً آخر من التماهي ظهر موازياً لتماهي النخبة، فتبعت "أنا" الجنرال العليا في تسلسل شبيه بتماهيات فرويد. وإن كان فرويد واجه إشكالية في مفهوم التماهي، بصعوبة تحديد العلاقة بينه وبين حب الموضوع، وتجسيده، فإنّ الجنرال عبد الفتاح السيسي نجح في إزالة الفروق بين التماهي الخيالي والرمزي، إلى الدرجة التي تحوّلت بها ذاته، وتلبّست هذه الصورة الديموقراطية المستلفة.
ولعلّ هذا الشكل آخر ما تبقى من موضوع أطروحة الجنرال التي نال بها درجة الماجستير من الولايات المتحدة الأميركية، وهي "الديموقراطية في الشرق الأوسط" عام 2006، والتي يلاحظ أنها أرفع قليلاً من المستوى الذي استمر في الظهور به، على الرغم من الكاريزما التي خلقتها البزة العسكرية. وعلى الرغم من كل ما نُسج حوله، إلّا أنّه ظهر إعلامياً بما يُعرف في نظرية التحليل النفسي بالمداراة، وإضمار الشيء ليظهر رغماً عنه، ما جعله يظهر في وسائل الإعلام في لقاءاته الأخيرة، مفتقراً القدرة على الربط بين ذهنه ولسانه.
لم يتوقع لهذه الخطب التي تُتخذ فيها عبارة "الشعب الموجه" أيقونة بالاستمرار، لأنّ النخبة المحيطة أنعمت على الجنرال السيسي بالنصح بألّا يكثر من الظهور العام، وأضفت تبريراً لذلك، بسبب تعرضه لمحاولة الاغتيال مرتين. ومرة أخرى، نجد أنّ النخبة تنسج حزمة متكاملة ومكثفة، لحماية الجنرال من الانكشاف أمام الناس قبل الانتخابات المحسومة مسبقاً.
تدري النخبة أنّها لن تتمكن من الفوز عسكرياً، مع افتقارها للقبول سياسياً وجماهيرياً، كما أنّ المؤسسة العسكرية تدري، مسبقاً، أنّه يستحيل فوزها سياسياً، ما أعاد الجنرال بدثار النخبة القديمة. وبذا، توسّد السيسي استراتيجية مسنودة بالدعم القديم لمؤسسته العسكرية الذي أغدقته عليها الولايات المتحدة الأميركية، وحوّلت مؤسسة الجيش إلى نظام أرستقراطي. وفي هذه المؤسسة، يتم النظر إلى ضابط الجيش، على أنّه مصمم ليكون أرستقراطياً، ذا قدرة اقتصادية ضاربة، احتلت قسطاً كبيراً من النشاط الاقتصادي في القطاع العام، وبعضاً من القطاع الخاص، أكثر منه جندياً محارباً لحماية الوطن. ويعتبر هذا جزءاً من مشروع تدجين الجيش، لمصلحة أميركية استراتيجية، ولمصلحة قوى أخرى في المنطقة، جعلته محصّناً في مواجهة الضغوط الخارجية.
ليس لدى الغرب والولايات المتحدة من ضغوط يمارسونها، سوى التلويح والتردد إزاء الدعم العسكري لمصر، سعياً وراء تأمين المصالح الاستراتيجية، وليس المبادئ الديموقراطية. ولذا، فإنّ مواصلة مسلسل الشجب والإدانة لا يتناسب مع الأهوال التي هي عنوان الآني.
ما فشل فيه النظام في مصر هو تجميل عملية إطاحة حكومة منتخبة ديموقراطياً، بواسطة مؤسسة الجيش. وإن كانت غلبة الانقلاب العسكري بدعم النخبة قائمة كأمر واقع، فإنّ ثورة 25 يناير كديناميكية ثورية مضادة، ما زالت أسباب قيامها ظاهرة في سوح مصر وأركانها، لا محالة قادمة، وهي أكثر قوة وأشدّ منعة، ولو بعد حين.