الناجون من انفجار بيروت... بانتظار الموت (2)

02 سبتمبر 2020
+ الخط -

ضجّت أصوات الناس بعدما دوى الانفجار. اختلط الصراخ مع النحيب وونين سيارات الإطفاء. الثريا في منتصف السقف ما زالت تهتز كما جسدي. أحاول الاتصال بزوجي للاطمئنان على طفلتيّ (سيلا، وميلا)، لكن الإرسال انقطع وتقطّعت طرقات العاصمة بيروت.

أكملت الطريق رغم لهاث دواليب السيارة، وطرطقة الأثاث وأنا أدوس عليه يصرخ ألماً، ولكن لا أستطيع أن أتوقف، طفلتاي تنامان في السرير، وعليّ أن أصل. هدأ الغبار وانقشعت الرؤية، نعم أنا الآن في شارع الجميزة، أشكك بالأمر، لا لم يكن هكذا منذ نصف ساعة؟

ما هذا؟ ماذا حصل؟ الشارع مكتظ بالردم وما تيسر من العفش الطائر. ضحايا لا يعرف إن كانوا توفوا أو فقط ينزفون دماً. أكملت الطريق، وقعت أمامي حجارة من أعلى، ولو وقعت عليّ لما كنت أكتب الآن. هذا يطلب المساعدة ويرجو أحدهم لمساعدته في العثور على والدته، وذاك يصرخ على نجله كي يرد عليه وليؤكد له أنه ما زال على قيد الحياة. على يميني كانت بقايا مبنى حيث يقبع مكتبنا، وعلى يساري امرأة مصدومة ارتكزت إلى الرصيف والدماء على ملابسها. حاولت إيهام نفسي أن ما يحدث غير حقيقي وأن هدفي هو الوصول لطفلتي، حتى سمعت صوت إحداهن تنادي على ابنتها "ماري" المستلقية على الأرض وهي تسبح بدمها.

كثرة الأسئلة من دون أجوبة، جعلتني أسال عنها: هل كانت في غيبوبة وتخيلنا أنها ماتت؟ هل حصلت معجزة وعادت للحياة؟ توجّهت إلى أكثر من مستشفى لأسأل عنها، ولم أجد إجابة

لا أتذكر حتى الآن كيف نجحت في الوصول إلى منتصف شارع الجميزة رغم الأكوام العالية من الردم والزجاج الممزوج بالدم.

كل ما أتذكره هو أني قلت لنفسي إنني في جهنم، ولكن الفارق أن الذين يتعذبون هم ضحايا وليسوا الجناة، كنت شاهدة على مذبحة جماعية يشترك فيها الأبرياء بالتراث، كنت شاهدة على استئصال قلب لبنان (بيروت) بسكانها وحجرها. أعود وأُذكّر نفسي أن هدفي هو الوصول لطفلتي وأن هذا ليس حقيقة، حتى طرقت امرأة على السيارة صارخة أوصليها إلى المستشفى. كانت بصحبة فتاة مصابة وأخرى جثة هامدة. ادخلتهما إلى المقعد الخلفي وحاولت السير بهن إلى أقرب مستشفى لكن الدمار أغلق الطرقات. لم تستطع أي سيارة للإسعاف الاقتراب من الشارع، وحاولت إسعاف الفتاة ـ الجثمان، لكن لا نفس أو نبض، هكذا قال شاب لا أعرفه، وهو نفسه أكد أنهم أخرجوها من داخل مطعم "لوريس" في الجميزة وكانت تحتفل على ما يبدو مع زوجها المفقود حتى الآن. وصل أخيراً فريق الإسعاف، أخذ المرأة والفتاة الجريحتين، وترك لي الفتاة الأخرى وأعاد على مسمعي أن لا نبض فيها، أنظر إليها كأني أنظر إلى طفلتيّ وأهمس لها لا تخافي أنا بجانبك لن أدع مكروها يصيبك، نامي الآن يا صغيرتي نامي في السرير.

دقائق وتقدمت عربة للجيش بعد صعودها على الردم الكثير وحملت الفتاة، قاومت ألّا يأخذوها، ولكن بلا جدوى.

صورة الفتاة لا تفارقني حتى أثناء النوم، وجهها مضيء ساكن وشبه ضاحك. وأسأل نفسي هل قصّرت في حقها؟ ماذا كان يمكنني فعله ولم أفعله؟ مر أسبوع، وبسمتها تثير عندي أسئلة كثيرة: من هي؟ ماذا حل بزوجها؟ هل لديها أطفال؟ ماذا كانت أحلامها؟ هل وصل أهلها إليها؟ هل وصلتهم صورتها عبر الفيسبوك حيث وجهت نداء لكل من يعرف عنها شيئاً؟

كثرة الأسئلة من دون أجوبة، جعلتني أسال عنها: هل كانت في غيبوبة وتخيلنا أنها ماتت؟ هل حصلت معجزة وعادت للحياة؟ توجّهت إلى أكثر من مستشفى لأسأل عنها، ولم أجد إجابة.

تواصلت مع الجيش اللبناني ولم يعطوا أي توضيح إضافي. قلت لنفسي: يجب أن أتأقلم وأحاول نسيانها، لكن وجهها يطاردني بعد ما يقرب من شهر على انفجار المرفأ. طلبت من صديقة لي أن تتوجه إلى المطعم حيث لفظت أنفاسها الأخيرة، للسؤال عن ضحايا داخل المطعم. فأتت لي بالإجابة: توفيت ملاك بظاظا وزوجها علي أيوب. طلبت صورا للضحيتين، فكانت هي. عاد المشهد نفسه بكل تفاصيله، لا سيما وجهها الملائكي كما اسمها. وناقشت نفسي: هل أذهب لأعزي ذويها؟ أم إن زرتهم أفتح لهم جروحاً يحاولون نسيان آلامها؟

قررت ألا أذهب. لكن ملاك تزورني بشكل شبه يومي في ذهني، وذاكرتي حفظت ابتسامتها وربما لن تغادرني حتى ألحق بملاك في مكان أظنه أفضل مما نحن فيه الآن داخل بيروت المنكوبة.