النأي الخاطئ بالنفس عن انتخابات أميركا

النأي الخاطئ بالنفس عن انتخابات أميركا

28 مايو 2016
الصورة

داونالد ترامب..لا ردود عربية حكومية على تفوهاته (26 مايو/2016/Getty)

+ الخط -
يتابع المرء بعضاً من وقائع الحملة الانتخابية لمرشحين محتملين (لم ترشحهم أحزابهم بعد رسمياً) إلى الرئاسة الأميركية، ويسترعي الانتباه أن الحكومات العربية تنأى بنفسها عن هذه الحملة. وعلى سبيل المثال، فإن تفوهات الجمهوري دونالد ترامب لا تلقى ردوداً، أو تعقيبات عربية. يتحدث الرجل عن المسلمين عامة، بيد أنه من الواضح أنه يخلط ويجمع بين العرب والمسلمين. تلقى رداً من عمدة لندن الجديد، صادق خان، الذي رفض الاستثناء التكريمي الفج له من ترامب، لكن الحكومات العربية تلتزم بمبدأ "النأي عن النفس" حيال الانتخابات، استناداً إلى مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية، مع إعمال هذا المبدأ بصورة روتينية رتيبة، لا تلحظ الوضع الخاص لهذه الانتخابات التي تتحول إلى مهرجانٍ خطابيٍّ كبير لدعم الاحتلال الإسرائيلي، ويجري فيها التدخل في الشؤون العربية وقضايا المنطقة، من دون مراعاة للياقات التعامل مع الشعوب العربية.
دأبت الأطراف العربية الرسمية على الاعتصام بهذا الموقف السلبي، خلافاً لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وعلى الرغم من أن الأخيرة في وضع مريح، إلا أن مسؤولين فيها لا يتردّدون في اتخاذ مواقف استفزازية واستعراضية، كأن يلغي نتنياهو من طرف واحد لقاءً له مع الرئيس الأميركي، باراك أوباما، بحجة أن ذلك اللقاء قد يؤثر على مجرى الانتخابات الأميركية، علماً أن إلغاء الموعد هو من قبيل التدخل في مجرى الحملة الانتخابية، والإيحاء بأن الرئيس الأميركي المقبل يجب أن يتبع سياساتٍ أكثر تطابقاً مع مصالح الاحتلال الإسرائيلي.
نعرف أن عهد أوباما في ولايته الثانية قد تميّز بفتور في علاقات واشنطن العربية، ومع أطرافٍ نافذة بالذات، وهو أمر لم يكتمه الجانبان. ويستحق هذا الاهتزاز غير المسبوق في تاريخ العلاقات مع ساكن البيت الأبيض أخذه في الاعتبار، في بلورة خطابٍ علنيٍّ تجاه المرشحين المحتملين، يجعل اقتراب هؤلاء من الحقوق العربية، ومن الشرعية الدولية، ومن التعاون القائم على المصالح المشتركة، وعلى احترام مبادئ القانون الدولي، هي المعايير التي سيتم بها الحكم على المرشحين، وعلى المرشح الذي سيفوز لاحقاً في السباق. وليس المطلوب أن تصدر هذه المواقف عن أعلى المستويات، بل أن يتم التعبير عنها بصور رسمية مختلفة على المستويين، الدبلوماسي والإعلامي الرسميين، من أجل إيصال رسالة مفادها بأن مقتضيات الصداقة والتعاون تتطلب أن تكون متبادلة، وفي الاتجاهين. أليس مستغرباً ألّا تلقى تفوهات ترامب عن إغلاق المساجد وطرد المسلمين ومنع دخولهم إلى الولايات المتحدة ما تستحق من ردودٍ قويةٍ رسميةٍ، باعتبارها مواقف عنصرية مقيتة وسوقية. لقد تكفل أميركيون، منهم الرئيس أوباما نفسه والمرشحة هيلاري كلينتون، الرد على هذه البذاءات، وهذا جيد جداً، يثير الاطمئنان بأن عالمنا لم يفقد عقله بعد، غير أن الواجب كان يملي على أصحاب الشأن الرد على هذا الشخص، حتى لا تلقى تخرصاته بعض التجاوب في الشارع الأميركي، وحتى لا يثور انطباعٌ بأنه ليس لدى أصحاب العلاقة ما يجيبون به على المساس المباشر بهم، ومن أجل تصويب مسار الحملة الانتخابية، فلا يتم استغلالها من طرف أي أحد، لإثارة نزعاتٍ شوفينيةٍ هابطةٍ، تضاهي معاداة السامية والتمييز العنصري الفج الذي يجهد العالم للتخلص منه، وتسعى أميركا بالذات للتحرّر من إرثه الثقيل الذي وسم ماضيها القريب؟
من الصحيح أن فحوى الحملات الانتخابية لا يُعتد بها كثيراً، ففي اتجاهٍ معاكسٍ، كان المرشح
باراك أوباما، قبل نحو ثماني سنوات، نصيراً للحق والعدل في فلسطين، وللحوار المتكافئ المتزن بين الحضارات والثقافات، فلما وصل إلى البيت الأبيض، بدا في موقفٍ أقرب إلى المفاخرة بعجزه عن الإتيان بجديد في السياسات الأميركية التقليدية، ولم يضف جديداً سوى إبداء التساهل المتمادي مع الأطماع الإيرانية التوسعية، مع أنه يحسب له اتخاذ مواقف جيدة، مثل وقف الحصار على كوبا، والمضي في خطة إغلاق معتقل غوانتنامو، على أن ذلك كله لا يسوّغ للجانب العربي الرسمي الاعتصام بموقف المراقب المتفرّج لما يجري على الساحة الأميركية، والاكتفاء بمغالبة مشاعر المرارة والعمل على كتمانها. فمن المصلحة، ومن دواعي المنطق أن يتم تظهير المواقف العربية في جميع الظروف، وفي سائر المناسبات، بما في ذلك خلال مناسبةٍ كبرى، مثل الحملة الانتخابية الرئاسية، وحين يتقاعس صاحب الحق في الدفاع عن حقه، وفي "القتال" عن هذا الحق، فإن عليه ألّا يتوقع نصرةً من أحد.
هناك، في هذه الغضون، مراهنة على دورٍ يؤديه ناشطون من أصولٍ عربية في الحزبين الأميركيين الكبيرين، لكونهم باتوا جزءاً من النسيج الاجتماعي والسياسي والحزبي للمجتمع الأميركي، وأن تاثير هؤلاء هو أكثر ملموسيةً من مواقف تصدر من خارج الولايات المتحدة، غير أن ذلك لا ينفي تكراراً وجوب اتخاذ مبادراتٍ عربيةٍ رسميةٍ، لمخاطبة الناخب الأميركي والمرشحين الأوفر حظاً وجمهور هؤلاء المرشحين. وعلى سبيل المقارنة، فإنه على الرغم من ثقل اللوبي الصهيوني ونفوذه في سائر مفاصل الحياة الأميركية، وفي مراكز التأثير، إلا أن ذلك لا يمنع تل أبيب من التدخل في مجرى الانتخابات، وفي إبداء مواقف تحدّد ما هو مطلوب من الرئيس الأميركي المقبل، وتحذّر من أي خروجٍ على نص وواقع الدعم الأميركي المطلق للاحتلال وسياساته ومصالحه. أما التدخل فهو، بالنسبة لهم، حديث خرافة، فما يفيد الدولة الصهيونية يفيد أميركا تلقائياً، وتل أبيب يجب أن تبقى، كما هو عهدها على الدوام، مرجعيةً ومصدر إلهامٍ لصانعي السياسات في واشنطن!.
ليس العرب أكثر تواضعاً فحسب، بل أقل جرأة على الجهر بالحقائق، فالتجربة غير المشجعة مع أوباما لا تحمل على المصارحة بوجوب أن يتدارك الرئيس المقبل أخطاء إدارة الرئيس الحالي في تعظيم فرص التدخلات الإيرانية، وفي الإبقاء على القضية الفلسطينية من دون حل، وفي التصنيف الانتقائي للإرهاب الذي يعفي المليشيات الإيرانية من تبعة الإرهاب، وفي منع تجديد الصداقة العربية الأميركية على أسسٍ تحفظ مصالح الطرفين، وتستند إلى تاريخٍ طويل من العلاقات التي كانت وثيقة.