المِقعد
هشام مطر
منظر لمدينة "سيينا" الإيطالية (Getty)

في الصباح التالي أشرقت الشمس وخرجتُ باكراً. هذا هو الوقت الذي اعتدتُ أن أجلس فيه للكتابة، ومع ذلك لم أشعر في ذلك النهار بواجب الالتزام. كلّما انتهيتُ من العمل على كتاب أحسستُ بالخواء بعده. لكن لم يسبق لي أن واجهتُ هذا الشعور بتلك الحدّة كما حصل مع كتابي الأخير، ذلك الذي يتحدّث عن عودتي إلى ليبيا وفشل محاولاتي في البحث عن والدي.

جلستُ قُبالة الكاتدرائية، واجهتُها في الضوء بيضاء كالثلج وتُعمي العيون. كانت الساحة خالية. قطعَتها سيّدة سوداء مُسنّة. حيّينا بعضنا. جلستْ بجانبي، مع الحفاظ على مسافةٍ لائقة، وبدأتْ الحديث بالإيطالية. بمجرَّد أن لاحظتْ عجزي، خاطبتني بما يُمليه كرم الغرباء، ناطقةً كلّ كلمة بوضوح، وبإيماءاتٍ مبالغ فيها وهي تنظرُ في عينيّ مباشرة. تردَّد صدى صوتها بانسياب بين المباني والأرضيات الحجريَّة للساحة المُقفرة. ودون وجود أي شخص على مرمى البصر، بدتْ الساحة غير مُحدّدة المساحة، وكأنَّها أكبر بكثير، أو أصغر بكثير ممّا هي عليه في الواقع. تراءت لي كما لو كانت الاثنين معاً: مكان رحب وفخم، وفي ذات الوقت حميمٌ وخاصّ كفناءٍ منزليّ. ما استطعت أن أفهمه من السيدة أنَّها في الأصل من نيجيريا، وأنها تعيش في إيطاليا منذ ثلاثة وعشرين عاماً، وأنَّها أخيراً صارت مؤهّلة للحصول على الجنسية. أشارتْ إلى مبنى ضخم في إحدى جهات السَّاحة.

"هذه هي الوزارة"، قالت.

"ماذا ستفعلين بعد حصولكِ على الجواز؟"، سألتُها.

"زيارة بلدي"، أجابتني، وأضافت، بعد السكون الذي لحق بتلك الجملة، وكأنها تكرّر العبارة لنفسها: "نعم، بلدي".

كان فيها شيءٌ ذكّرني بوالدتي.

أردتُ الذهاب إلى "البِناكوتيكا"، المُتحف الذي يضمُّ عدداً من اللوحات التي وددتُ رؤيتها منذ زمن طويل. وأنا مُستلقٍ في فراشي ليلة أمس، وقبل أن أغطّ في النوم، شعرتُ باندفاع الحماس الذي عرفتُه في طفولتي، إذ أدركتُ بيقينٍ مرتعش أنه بينما أتمدّدُ في السرير هنا، سيكون البحر هناك، وسيظلّ هناك خلال اللَّيل وأول الصباح أيضاً عندما أستيقظ. 

فكَّرت بأنَّه موقعٌ مثاليٌّ للتأمل، جيّد للاختباء، جيّد للبكاء

غفوتُ وأنا أتخيّل تلك اللوحات في قاعات المُتحف المظلمة في البِناكوتيكا. لكن الآن، في الصباح الباكر، وأنا جالسٌ في الساحة جِوار المرأة التي انتظرتْ تقريباً نفس المدة التي انتظرتُها لزيارة سيينا، ما يُقارب رُبع قرن، للعودة إلى موطنها، شعرتُ بأنه لم يحن الوقتُ بعد لرؤية الرسومات. بقيتُ مع السيّدة النيجيرية حتى فتحت الوزارة أبوابها. تمنيتُ لها حظاً موفّقاً. وضعتْ يداً على خدّي وشكرتني. شعرتُ ببشرتها باردة وجافّة. تعانقنا وتابعتُها ببصري حتى دخلتْ المبنى.

واصلتُ المشي وشاهدتُ المدينة وهي تستيقظ وتُشغل نفسها. تعقبتُ بعض الأشخاص مع الحفاظ على مسافةٍ بيننا. قلتُ لنفسي أنّي اتخذت هذا النشاط الغريب والمُخزي لكي أتمكن من معرفة كيف يتنقَّل أهل البلد في سيينا، ولكي أحظى بلمحةٍ عن حياتهم اليومية، وأن أعيش كما يفعلون عند استيقاظهم. لكن الحقيقة كانت أبسط، عمليّة أكثر من كونها ذهنية ولها علاقة بالإيقاع أكثر من الأفكار. كنتُ أريد، ببساطة، أن أعوّد نفسي على طرقات المدينة، كما يشحذ نحّات الحجر إزميله على سطح خشن. لحقتُ برجل إلى مكان عمله. ومن على بُعد 15 متراً تقريباً تعقبتُ سيدةً وابنها الصغير. عندما وصلا إلى مدرسته، وقفتْ لفترةٍ طويلة وهي تنظرُ إليه من خلال البوابة حتى ولج المبنى. بقيتْ هناك لدقيقةٍ أو اثنتين، تُمعِن النظر إلى الأعلى باتجاه نافذة صفّه المُفترضة. تبعتُها إلى عنوانٍ آخر وتركتُها عندما دخلت عمارةً دون يافطة.

في ذلك اليوم، كانت سيينا حميمية بالنسبة لي كقلادة، يمكنك وضعها حول عُنقك، وفي ذاتِ الوقت بدتْ مُعقّدةً كمتاهة. حجبت عنّي رؤية الأفق تماماً. وهكذا لم تعمل بوصلتي لتخمين الاتِّجاهات إلا باستخدام المدينة ذاتها، بالتفافاتها وانعطافاتها، بمناوراتها وقرارتها، بمذاقاتها ومقاصدها. سيينا هي نَجمة شَمال نفسها. وكما هو الحال مع أولئك الغيورين الذين تهمهم السيطرة إلى حدٍّ ما، تراءت لي سيينا أيضاً، في ذلك النهار، قلقةً على حريتي وإخلاصي لها. لم أكن قطّ في مكانٍ بهذا العزم، مدينة تفيضُ بالنوايا، ومعنية جداً بحضوري، لأني أينما يمَّمْتُ، كانت هي من يُقرِّر السرعة والاتجاهات التي تمضي بها خطواتي. هناك، وفي ذلك الوقت، أيقنتُ أنني أستطيع أن أقضي عمراً بأكمله هنا، في هذه المدينة الغريبة، حيث، ولمدةٍ طويلة ولسببٍ غامض، تقتُ لأن أكون.

لم تحِن اللحظة الملائمة لزيارة البِناكوتيكا بعد. عدتُ إلى الشقّة، أكلتُ ونمتُ قليلاً، ثم فردتُ الخارطة على الطاولة الصغيرة التي وُضعت بين النافذتين. وقرّرتُ أنه لكي أُحيط علماً بتضاريس المدينة، لا بد أن أمشي كلّ يوم إلى أحد تُخومها، وأغادر من إحدى بواباتها، وبعد ذلك، وبمجرَّد أن أفقد قدرتي على رؤيتها، أعود إليها ثانية. بعد الظهر تركتُ الخارطة ورائي وتجوّلتُ جانب الطّرف الغربي الجنوبي. ضاقت الشَّوارع وكأن كلّ واحدٍ منها يُدافع عن حدوده، وانحدرت واحداً تلو الآخر باتجاه مُحيط المدينة مُتلاشين.

الصورة

 

كنتُ الآن على مشارفِ أسوارِ المدينة، مُطلاً على مشهدٍ للطبيعة المُترامية. بدا الانفتاح غريباً ومدهشاً. نجحت سيينا، خلال تلك الأيَّام القليلة منذ وصولي، في جعل عينيّ غير معتادتين على رؤية الأفق. شعرتُ فجأة بأني فهمت، واستطعتُ أن أرى من وجهة نظر سيينا، بأن اللانهائي هو احتمالٌ خانق، وبأنه من اللائقِ تماماً، مع الأخذ بالحُسبان طبيعة الحياة الفوضوية، أن تُطوق منطقة ما لنستوعب فيها أنفُسنا، حيث يتمكّن المرء أن يقرِّر ما هو مُهم، وما قد يحظى بالامتياز، وما يمكن إقصاؤه، وتحديد محاور الطرق الرئيسيَّة بينها وترتيب الشوارع خلالها. وبطريقةٍ ما بدتْ هذه الحدود وكأنَّها اعترافٌ موارب بقوَّة الطبيعة، وحُرِّيتها وثقتها، وحماسها للنُّور، وقلبها المنفتح.

نظرتُ إلى أشجارِ السَّرْو والزَّيتون، والضوء ذي اللمعان المعدنيّ على التّلال. كان الهواءُ مُضيئاً ورطباً، وكانتْ السماء مُشعة وكأنَّها طُليت بما يُزجّج به الخزف. وقفتُ هناك لفترة طويلة. كلّ ما حولي غارق في الصَّمت. ثم اقتربَ طفلان من تلاميذ المدرسة، أحدهما على هاتفه المحمول، يُقدِّم تقريراً عن يومه في المدرسة، والآخر مُطرق برأسه بينما يشقّ طريقه بصعوبة لطلوع التّلّة، بحقيبته المطوية الثقيلة على ظهره. ظهر المزيد من الأولاد خلفهما، بعضهم مع ذويهم، وآخرون لا يرافقهم أحد. كانوا جميعاً يغادرون المبنى المربّع الكبير عند سَفْح التَّلَّة. تمنيتُ لو أنِّي أعرف عائلة هنا، فكرت بأنَّ رفقة الأطفال والحوار معهم، قد يساعدانني في تحسين لغتي الايطالية، هذه اللغة التي أفهمها إلى حدّ ما، لكنّي أشعر بعائقٍ في التحدث بها. عندئذ سمعتُ رجلاً يكلم طفليه بِالعربيَّة. بدا أنه من عمري، ووجههُ يشبه وجوه أولئك الذين نشأتُ معهم. سلَّمتُ عليه بالعربيَّة. توقَّف وحيّاني وقد لاحت عليه الدهشة مخلوطة بشيءٍ من الفضول.

"من أين أنتَ؟"، سألني.

"ليبيا، وأنت؟".

"الأردن"، وأخبرني أنَّه وصلَ إلى سيينا منذُ ثلاثين عاماً.

فكرتُ أنَّها نفس الفترة الزمنية التي قضيتُها في لندن.

كان شعرهُ أسود ومجعداً، كما سيكُون عليه شعري لو تركتهُ طويلاً. وكان اسمهُ آدم.

"يا حلوين،" قال مُخاطباً أولاده، "كريم، سلمى، سلّموا على عمّو هشام".

ابتسما وهما يمدَّان يديهما الصغيرتين.

"هل تحتاجُ إلى مساعدة؟"، سألني. "فيما يتعلَّق بأيِّ شيءٍ على الإطلاق؟".

"لا، شكراً"، أجبته.

"أنت هُنا في مُهمةِ عمل؟ هل تحتاجُ إلى مُساعدة في إعداد أوراق رسميَّة، تأشيرات وما شابه؟".

"لا، لا"، قلتُ مبتسماً.

"حقاً، أنا أعرف المكان جيداً وأستطيع أن آخذك في جولات، أساعدك في الترجمة. هل تتحدّث الإيطالية؟".

"لا، لكن أفهمها قليلاً".

"إذن أستطيع مُرافقتك. لديَّ سيَّارة".

"شكراً على كرمك ولطفك، لكنني أتدبر أمري جيَّداً. لطالما رغبت بزيارة سيينا، ورؤية الفنون هنا".

نظر إليّ كما لو أنّه حَدَس بأنني أُخفي غرضي الحقيقيّ، فاستسلم تاركاً إيَّاي لشؤوني الخاصة. كانت ابنته سلمى مشغولة بتأمّل شيء بين يديها، لكن كريم كان يُتابع الحوار بيننا، وهو ينقل عينيه بين والده وبيني، ونحن نتبادل أطراف الحديث. نظر الصبيّ إليّ وابتسم. أشار والده إلى رأس التّلّة.

"هل ترى الشَّارع ذاك"، قال لي، "حيث الكنيسة؟ منزلي رقم 90. واسمي على جرس البوابة. أيَّ شيء تحتاجه، اعتبرني بمثابة أخيك هنا".

وعلى الرغم من أنّ مثل هذهِ المشاعر ليست غريبة على المجتمعات العربية، إلا أنّ كلمات آدم أثَّرت بي؛ لم يكن لديّ أدنى شكّ، بالنظر إلى عينيه ووجهه، وسُلُوكه ككلّ - وأيضاً من دماثَة أطفاله - بأنّه عَنَى كلّ كلمةٍ قالها.

"لن أفكر في إزعاجك"،  قلت. "لكن لعلّنا نلتقي على فنجان قهوة في وقتٍ ما؟".

"خُذ رقمي"، قال، طالباً منّي إعادة قراءته له. "ممتاز"، أضاف. "والآن، اِتصل بي لأحتفظ برقمك".

أخرج هاتفهُ وحدّق كلانا في الشاشة حتَّى أضاءت. سجّل رقمي مباشرة، كاتباً اسمي بالكامل. ودَّعنا بعضنا. وانطلق صاعداً التّلة، بينما كريم وسلمى يقتفيان بأمانة.

مشيتُ في الاتِّجاه المعاكس. أمرٌ متعلّق بالمصادفة هذه، وكيف كانت في ذاتِ الوقت أريحيَّة وغير متوقَّعة، أشعرني بالتفاؤل بخصوص الوقت الذي سأقضيه هُنا. واصلتُ المشي نزولاً إلى أسفل التّلّة. أردتُ أن أكون داخل المنظر الطبيعي، أن أجد طريقاً يُخرجني من المدينة، أن أعبر كافَّة المباني الجديدة التي تُطوِّق سيينا الآن، وأن ألِج التلال وأقف بين الأشجارِ التي رسمها لورينتزيتي. خرجتُ من سور المدينةِ وتغيّر صوت الهواء، صار مُمتداً ومُفرغاً، يشبهُ تماماً الصوت الذي يلي الضَّغط على الأذنين بِقوَّة ثم تحريرهما. والآن لم يكن هنالك ظِلّ وأحسستُ بالشَّمس تُدفئ ظهري. أخيراً، وفي نهاية الشَّارع، وصلتُ إلى طريقٍ مسدُود. كانت هناك بوَّابة مفتُوحة. دخلتُ ووجدتُ نفسي في مقبرة. كانت بحجم حديقة مدينة صغيرة.

جلستُ متمنّياً ألّا يُزيل أحدهم هذا المقعد أبداً

معظم شواهِد القبور عليها صُورة فوتوغرافيّة للمُتوفَّى وأحياناً صُورتان: واحدة عندما كان صغيراً والأخرى قريبة من وقتِ الوفاة. عددٌ من الراحلين دُفنوا جِوار أزواجهم، الذين في كثيرٍ من الحالات، تبعوهم بعد سنةٍ أو سنتين. بعض الموتى رحلوا منذُ عقود والعديد منهم مضى على موته قرنٌ من الزمان، ومع ذلك، كان جلياً أن ذُريّتهم ما زالتْ ترتاد قبورهم المُعتنى بها والمُصانة والمزدانة بزهورٍ يانعة. بدت وجوه النساء على شواهد القبور مألوفة. تُشبه تلك السحنات المهمومة لنساء طفولتي، وملامح تلك المرأة النيجيرية التي التقيتها سابقاً في ساحة الكاتدرائية: وجوهٌ قلِقة وغير مُتيقّنة من احتمالاتها. وبدا لي حينها أن هؤلاء السيدات من سيينا، اشتبهن عندما اُلتِقطت صورهُن، بأن تلك الصور سوف تبقى طويلاً بعدهن، إذ إنهن ينظرنَ إلى الكاميرا بإذعان سئِم. لقد تأثرتُ بشدّة بهن - وقد فاجأني ذلك إلى حدٍّ ما.

تشُقُّ القبور جادَّة اِصطفَّت على جانبيها أشجار سرْو عالية. وكان هناك مقْعَد. فكرت في أنّ أجلس عليه، لكِن واصلتُ مسيري. مررتُ بزوجين وهما يمشيان ببطء، يداً في يد باتجاه المخرج. تَمنَّوا لي بصوتٍ خافتٍ أمسيةً طيبة، وأنا بنبرةٍ هادئة رددتُ التحيّة. تذكرتُ كم أحببت المقابر، جديتها ورسميتها، حيثُ يُحبذ ألا ينطق المرءُ إلا لماماً وبهمس. مضيتُ إلى النهاية على أمل أن أجد منظراً مفتوحاً على الريف، وربما حتَّى ممر يقود إليه. لم أتوقّع ما رأيته. اتَّضح أنني كنتُ في الجزء القديم من المقبرة، وهي مساحة صغيرة مقارنةً بهذه المدرجات الشّاسعة التي كنتُ أنظر إليها الآن: كَتَائِب فوق كَتَائِب من شواهد القبور. كان من الصعوبةِ الإحاطة بمقاييس المكان. إن النظر إلى قبرٍ منفرد بحميمية شيء، وأن تلمح شهيَّة الموت اللانهائية شيءٌ آخر. فاق عدد الموتى عدد الأحياء. الحاضرُ هو الحاشية الذهبيَّة لقماشٍ أسود. فكرتُ كم هو فظيع أن تكون على قيد الحياة. ملأني هذا بالحماس وبفخر سوداوي بعرقي، يَا لشجاعتنا وبطولتنا في مواجهة الدليل الذي لا مفر منه على أن الحياة لا يمكن الحفاظ عليها طويلاً، بغضِّ النظر عن الدِّرع الذي نصطفيه، فإن كل الأشياء ستمضي.

واصلتُ المشي باتجاه النهاية الجديدة، أو النهاية التي أستطيع أن أبصرها الآن. عندما وصلتُ هناك، كان بإمكاني لمس أشجار الزيتون على الطرفِ الآخر من الجدار الواطِئ. شجيرات صغيرة تكتسي بلون فضِّي تحت الضوء. كان بإمكاني تسلّق الحائط بسهولة وأن أكون وسط الزيتون، ولكن لسبب ما لم أفعل ذلك. تخيَّلت أنَّي اصطحب أصدقائي إلى هُنا. تصوّرت أنّي لا أخبرهم إلى أين نتجه، بدلاً عن ذلك استغرقهم في حديثٍ عن موضوعٍ لا يمُت للمكان بصلة، حتَّى يعثروا على المقبرة بنفس الطريقة التي حدثت معي، ليس بغرضِ إرباكهم، لكن كيْما أشاركهم نفس مشاعر الاكتشاف. ثُم خطرَ لي بأنَّها فكرة سيئة.

فجأةً شعرتُ بأن هناك من يقف ورائي. استدرتُ ووجدتُ مقعداً بعيداً مخبأً، ومواجهاً للمشهد الطبيعي. حطَّت عليه آخر أشعة الشمس الغاربة، بالإضافة لامتيازه بملمح غير عاديّ، فمن جانبٍ بدا كمُقام خاصّ ومن جانب آخر كان مفتوحاً على منظرٍ بانوراميّ للريف. فكَّرت بأنَّه موقعٌ مثاليٌّ للتأمل؛ جيّد للاختباء؛ جيّد للبكاء. جلستُ متمنّياً ألّا يُزيل أحدهم هذا المقعد أبداً؛ وأن يظلّ هناك حتى نهاية الزَّمان. على أحد جانبيه كانت هناك ثلاثةُ أحواض حجرية. ماءٌ للزهور.


* كاتب ليبي بريطاني وُلد في الولايات المتّحدة عام 1970. من إصداراته: رواية "في بلد الرجال" (2006)، ومذكّرات بعنوان "العودة" (2016) التي يروي فيها عودته إلى ليبيا في 2012 للبحث عن حقيقة اختفاء والده عام 1990، والذي كان معارضاً لنظام القذّافي، وحاز الكتاب جائزة "بوليتزر" عن فئة السيرة الذاتية في 2017، و"كتاب دوت" (2017)، وهو كتاب للأطفال، و"شهر في سيينا" (2019)، والنصُّ المترجَم فصلٌ من هذا الكتاب.

** ترجمة عن الإنكليزية: عائشة أحمد