المُمكن أردنياً ورهانات الحاضر

المُمكن أردنياً ورهانات الحاضر

05 يونيو 2019
الصورة
+ الخط -
لا شيء يُفسر فشل الرهانات على شهر رمضان ساخن أردنياً، فقد انتهى الشهر على شارعٍ مغايرٍ لما كانت التوقعات التي تُرسم له، ولمِا كان عليه قبل عام، حين كان شهراً حضرت فيه الروح الجماهيرية التي أدت إلى مجيء حكومة عمر الرزاز، بعد سجال حراكي طويل في ساحات المحافظات، انتهى بإضراب عام عشية شهر رمضان العام الماضي (2018)، ما عجّل برحيل حكومة هاني الملقي آنذاك. جُملة المعالجات المحلية الأردنية الراهنيّة أثمرت تجنيب البلد مزيداً من التوتر والتعقيد، وتجنيب المؤسسة الملكية مزيداً من النقد وارتفاع صوت الغضب الذي كان متوقعا فيما يخص عودة الحراك الشعبي بكثافة، وهي عودة لم تتم، بل يبدو أنّ الحراك اليوم قد ذاب في مواجهة ضغوط العيش، واستراتيجية المواجهة التي خاضتها الدولة بكل ما أوتيت من قوة، كي تعبر اللحظة الراهنة بلا عودة لخطاب "الشارع يريد".
منذ شهر مارس/ آذار الماضي، أُطلقت استراتجية تواصل مكثفة، خاضها الملك عبد الله الثاني قبيل رمضان، مع الجند والعسكر الذين خدم معهم، صورة جلبت مزيدا من التأييد للملك في صفوف البُنية العسكرية المنتشرة في عمق مكون المجتمع الأردني الذي ظلّ يصفه معارضون للحكم والدارسون له، بأن "الأردنيين كلهم عسكر"، هذه صفةٌ على الأقل تخصّ العشائر أكثر من غيرها من مكونات المجتمع المدنية، ذلك أن المؤسسة العسكرية أسهمت إلى حدّ كبير في تغيير حياة الناس، وتعليمهم وإنتاج نخب منهم على قاعدة ولائية صلبة. ثم نشط الملك في سلسلة زيارات لكبار رجال بيروقراط الدولة (رئيسي الوزراء السابقين، عبد السلام المجالي ومعروف البخيت مثلا) من دون إغفال لبعض صغار الجند والفقراء في قراهم، مع سلسلةٍ منظمةٍ من الإفطارات الرمضانية، واللقاءات المختارة له وللملكة، سبقتها تغييراتٌ داخل القصر في بُنية منظومة التواصل الملكي عبر الدائرة المحيطة به، والتي جاءت بسفير الأردن في باريس، بشر الخصاونة، والذي يبدو أنه فاعل أساسي وإيجابي في بناء شبكة التواصل الملكي المحليّة الراهنة.
دخلت الملكة رانيا العبد الله أيضاً على خط مناورة "التواصل الحيّة" على صُعد عدة، فبيت 
الملك جمع العائلة الهاشمية الكبيرة بحضور عم الملك الأمير الحسن بن طلال في إفطار نشرت صور فيديو منه إعلامياً عبر فضاء التواصل الاجتماعي، ليؤدي رسالة مهمة عن تماسك الأسرة المالكة، ثم نشر فيديو إفطار للأسرة النواة لملك البلاد، أعقبها حديثٌ كثيفٌ عبر الـ"سوشيال ميديا" عن قائمة الطعام، بعد أن سُرّبت فاتورة الطعام التي لم تتجاوز المائتي دينار، لتعود الملكة رانيا إلى محافظة الطفيلة الجنوبية التي كانت مركز غضب دائم طوال السنوات الماضية، بحمل "طناجر من ورق الدوالي"، ولتفطر مع شباب المدينة وتُحاورهم، في صورة واضحة على أنّ مراكز الغضب بردت، وتغيّرت، ولم يكن ذلك كله ليصير لولا التواصل الملكي الذي كان سَليماً ومختاراً بعنايةٍ مع الشباب المعنيين بالمستقبل والحاضر الأردنيين.
في المقابل، حضر ولي العهد، الأمير حسين، جملة فعاليات محليّة، أدّت إلى النتجية نفسها، وهي تعميق حضور المؤسسة الملكية في المجتمع، وتثبيت حقيقة العيش كعائلة واحدة مع المجتمع. ولم يخرج ذلك كله الناس إلى مسارٍ آمنٍ من النقد أحياناً عند من لا يرون أهميةً لذلك كله، ويسألون عن العيش الكريم.
لكنها الحالة الأردنية التي تلعب فيها الأقدار أثراً كبيراً في مرورها بأقل الخسائر، فصفقة القرن لم تعد مواجهةً أردنية وحسب، بل إنها تعاني أميركياً أيضاً، والاستقبال الملكي الفاتر لجاريد كوشنر، مبعوث الرئيس الأميركي على طاولة مستديرة صغيرة، لم تظهر فيها أي حفاوة ملكية خاصة، فكان شكل اللقاء مؤشّراً لدى الأردنيين على الأقل بأن العاهل الأردني قدّم ما عليه، وقال ما يجب أن يسمعه الأميركيون عبر كوشنر.
أما المصالح الأردنية فهي المهمة، إذ حضر الملك عبد الله الثاني قمتي مكة، العربية 
والإسلامية، وأكد في الأولى على الدفاع عن القدس والوضع التاريخي فيها والوصاية الهاشمية، وكانت القمة في وقتها بالنسبة للأردن، لبيان أنه غير مستعد لأي خسارة في مسألة القدس، وفي كلمة الملك إشارات إلى العرب أيضاً. حكومياً كان المُعلن أن الحكومة ستمارس تطبيق القانون، وأنها تجهد في حرب الفساد، وتسعى إلى تحسين الخدمات، ووقف الهدر المالي. وبهذا الاتجاه، كانت يافطة محاربة الفساد والتهرب الضريبي الأبرز عبر قضية دخان جديدة، و"ضريبة الدمغة" والحديث اليوم عن محاسبة قادمة لمسؤولين سابقين أمنيين، وثمّة تسريبات عن منع سفر على بعضهم. وكانت رسالة العاهل الأردني قبيل رمضان إلى مدير المخابرات الجديد، اللواء أحمد حسني، واضحة المعنى في هذا السياق.
إقليمياً، لا المعركة الإقليمية بالنسبة للأردن مُلحة للانخراط فيها، ولا رهانات أردنية على قبض أثمان محددة، لكن الأردن يُبقي على التواصل مع الجميع وفي عدة مستويات. وفي راهن البلد بيات حراكي صيفي مبكر، أسفرت عنه الحالة الرمضانية، لكنها قد لا تكون حالة ثبات، ولا تعني الرضا الكامل جماهيرياً عن الواقع.
وقد بات الجمهور الأردني اليوم لا يريد الشعارات، بل هو أقرب إلى العقلانية، ويريد محاسبة جادّة على الأداء والخدمات الأفضل ومحاربة الفساد، ولذلك تتقلص المطالب السياسية، لصالح بناء علاقات شبكية لتدابير اللحظة المعاصرة، والتي يأخذ الاقتصاد وأوجاعه فيها أقصى مداه.
وفي الراهن الأردني اليوم جُملة من المساعي الملكية والحكومية والنخبوية. وللأسف الحلقة الأضعف هي النخبة التي انكشفت على مزيد من الضعف والهشاشة، نظرا إلى انغلاقها، وطبيعة تشكلها وعلاقتها الزبائنية مع الحكومات تاريخياً، وهو أمرٌ يحاول رئيس الحكومة، عمر الرزاز، أن يهرب منه، على الرغم من أنه قد وقع في شباكه أكثر من مرة.
ختاماً، الظرفية الراهنية اليوم تظهر أن حكومة الرزاز لم تعد عرضةً لصراعات أصحاب القرار، والطريق معبّدة أمام الحكومة لإحداث حالة جديدة من الثقة مع المجتمع، خصوصا في ظل إدراك أعضاء مجلس النواب بأنهم في عامهم الأخير من عمر المجلس. ويجعل هذا كله الآفاق مفتوحة على علاقةٍ أفضل مع الحكومة، وأقل توتراً.