المياه العادمة تصير إسمنتاً

21 فبراير 2017
الصورة
خلال مرحلة التجارب (محمد الحجار)
كثيرة هي المشاكل البيئيّة في قطاع غزّة. وفي ظلّ الظروف الصعبة والحصار، منذ أكثر من عشر سنوات، فإنّ إيجاد حلول وتنفيذها أمران ليسا بسهلَين. مع ذلك، يبقى إصرار على التغيير وإحداث فرق، بالإضافة إلى العمل على الحدّ من الملوّثات البيئيّة من خلال تحويلها إلى مواد مفيدة. وتُطلَق مشاريع، منها تحويل المياه العادمة إلى إسمنت. أعدّت هذا المشروع أربع طالبات من قسم الهندسة البيئية في الجامعة الإسلاميّة تخرّجنَ أخيراً، وهنّ رنا حسين ونور أهل وأسماء سمعان ودينا العثامنة.

هؤلاء الشابات المعنيّات بقضايا البيئة، لاحظنَ أنّ كميّات الحمأة المتراكمة في محطات المعالجة كبيرة جداً، وتضرّ بالبيئة. من هنا، أردنَ، من خلال مشروع تخرجهنّ، البحث عن طريقة للتخلّص من الأضرار وتحويل الحمأة إلى مواد أساسيّة يستفيد منها القطاع المحاصر. وكانت البداية من خلال إعداد دراسة أوليّة للمشروع للتأكّد من إمكانيّة تطبيقه على أرض الواقع وإنتاج الإسمنت.

لم تكن الأدوات اللازمة لإنجاح المشروع متوفّرة، فعملت الجامعة الإسلاميّة على توفيرها في مختبراتها. وبدأت الشابات جمع عيّنات الحمأة المناسبة من محطّات المعالجة التي كانت جافّة تماماً، ثمّ انتقلن إلى مرحلة المعالجة الأوليّة للتخلّص من الشوائب، وحرقها بهدف القضاء على المواد العضوية السامة، وطحنها قبل الانتقال إلى عملية التنخيل. بعدها تُنقل المواد المستخرجة إلى مختبرات الجامعة للقيام بالتجارب اللازمة، وتُحرَق العينات على درجات حرارة عالية وتضاف إليها المواد اللازمة وتُترك لبعض الوقت حتى تجف قبل اختبار قوة الكسر في المكعبات الإسمنتيّة المستخرجة.



تلفت دينا العثامنة إلى الفارق بين الإسمنت الناتج عن المياه العادمة والإسمنت العادي. وتطلق على الأوّل اسم "إسمنت التشطيبات"، موضحة أنّ "قوّة الكسر والتحمّل تعدّ مقبولة عالمياً، ويمكن استخدامه في أعمال التشطيب"، أي وضعه فوق حجارة العمار قبل الطلاء. وتشدّد على أنّه "قد يكون بديلاً مقبولاً من الإسمنت العادي". وتقول العثامنة إنّ "قطاع غزّة يُعاني أزمة بيئيّة حادة نتيجة الضخ الهائل للمياه العادمة، وثمّة صعوبة كبيرة في معالجتها". وتوضح أنّ "تراكم الحمأة في الأحواض يؤثّر سلباً على الخزان الجوفي والمحيط الخارجي، نتيجة ترسّب كميّات كبيرة من المواد السامة، الأمر الذي يضرّ الإنسان والحيوان بطريقة مباشرة".



من جهتها، تقول نور أهل إنّه "يمكن لهذا المشروع أن يساهم في الحدّ من الأزمة البيئيّة بطريقة فعالة، من خلال التخلّص من كميّات هائلة من الحمأة، والحفاظ على البيئة، أي الخزان الجوفي والهواء والتربة". وتشرح أنّ الأحواض حيث تترسب الحمأة، تحتل مساحة كبيرة جداً، ويمكن التخلّص منها من خلال العمل على استغلالها بوسائل أخرى". وتلفت أهل إلى "مشكلة المياه في قطاع غزّة نظراً للنمو السكاني وزيادة نسبة استهلاك المياه، من دون أن يتوفّر مصدر غير مياه الأمطار. ونسب تساقط الأمطار انخفضت خلال العامين الماضيين، ولم تعد تغذّي الخزان الجوفي الذي يحدّ من تدفق المياه العادمة إلى المناطق القريبة من البحر".

تضيف: "بالتالي، يعاني القطاع نتيجة عدم توفّر مصادر أخرى للمياه في ظل الاستهلاك الكبير، ما يؤدّي إلى إنتاج مياه عادمة بكميات أكبر وخلق مشكلة بيئية صعبة. لكنّ المشروع يستطيع المساهمة في الحدّ منها".

تجدر الإشارة إلى أنّ المشروع لم يلقَ أي دفع بعد إطلاقه. وتقول أسماء سمعان: "للأسف الشديد، لم نجد من يدعم أو يطوّر المشروع، على الرغم من أنّه حاجة في غزّة. لكنّنا نطمح إلى تطوير هذا المشروع وإجراء الاختبارات اللازمة للتوصّل إلى نتائج أفضل".

في هذا السياق، يقول مدير دائرة التوعية البيئيّة في سلطة جودة البيئة، أحمد حلس إنّه "يومياً، يُضخّ 120 مليون ليتر من مياه الصرف الصحي إلى شاطئ القطاع، بواسطة مضخّات على طول الساحل"، لافتاً إلى أنّ نصيب غزّة وحدها يقدّر بنحو 60 إلى 70 مليون لتر. ويوضح أنّ "نحو 22 مضخّة مركزيّة وغير مركزيّة موجودة على طول شاطئ قطاع غزّة، وهي تعالج المياه العادمة بطريقة جزئية فقط". كذلك، يشير حلس إلى أنّ "البلديات تضخ نفايات المنازل والمصانع والمتاجر إلى البحر"، مضيفاً أنّ هذه المواد خليط مركّز من النفايات السامة بدرجة كبيرة وتهدّد الحياة البحرية. بالتالي، ثمّة حاجة إلى تبنّي مشاريع للقضاء على هذه النفايات السامة أو العمل على الاستفادة منها بطريقة أو بأخرى".