الموقف الروسي "البارد" من التطبيع: المصالح الاستراتيجية مهددة

19 سبتمبر 2020
الصورة
تؤكد موسكو أن موقفها من القضية الفلسطينية ثابت (ميخائيل سفلتوف/Getty)

ربطت روسيا موقفها من اتفاقيتي التطبيع بين كلّ من الإمارات والبحرين، من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، بتأثيراتهما على إيجاد حلٍّ عادلٍ وشامل ومستدام للقضية الفلسطينية، بناء على قرارات التوافق الدولي والمبادرة العربية، إضافة إلى انعكاسات الاتفاقيتين على الأمن الإقليمي. ويفسر ذلك الموقف الرسمي الروسي "البارد" من التطبيع، والذي تقف خلفه اعتبارات اقتصادية وسياسية عدّة.
وفي بيان أصدرته يوم الخميس الماضي، جدّدت وزارة الخارجية الروسية، التأكيد على أن روسيا "تنطلق من أهمية التوصل إلى تسويةٍ شاملة للنزاع في الشرق الأوسط، مع إدراك ضرورة أن يكون الوصول إلى حلٍّ عادلٍ ومستدام للقضية الفلسطينية، بناءً على القاعدة القانونية الدولية المتفق عليها أممياً، بما يشمل مبادرة السلام العربية، ومبدأ حلّ الدولتين، جزءاً لا يتجزأ من هذه التسوية". وشدّد البيان على أنه "رغم توقيع الاتفاقيتين، فإن القضية الفلسطينية لم تقل إلحاحاً، وسيكون من الخطأ الاعتقاد بأنه يمكن إحلال استقرار ثابت في الشرق الأوسط من دون حلّها". وكان بيانٌ صادر على الكرملين في 24 أغسطس/آب الماضي، بعيد إشهار الإمارات تحالفها مع إسرائيل، وقبل إعلان البحرين انضمامها إليه، ذكر أن الرئيس فلاديمير بوتين أكد في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، موقف روسيا المبدئي الداعم لحلٍّ عادل وشامل ومستدام للقضية الفلسطينية. وأعرب بوتين خلال الاتصال، عن أمله في أن يساهم الاتفاق الإماراتي - الإسرائيلي في "تعزيز الاستقرار والأمن في المنطقة".

موسكو معنية في ألا يضّر التطبيع باستراتيجيتها في الشرق الأوسط، أو أن يكون له انعكاسات على آسيا الوسطى وبحر قزوين

ويبدو من الواضح تجديد روسيا التأكيد على أن دورها في تسوية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي لم يتغير، وأنها تواصل كعضو في الرباعية الدولية للشرق الأوسط (الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة)، وكعضوٍ دائم في مجلس الأمن العمل، العمل وفق مبادئها الأساسية لحلّ القضية الفلسطينية، انطلاقاً من موقفها القائم على دعم حق الفلسطينيين في قيام دولة مستقلة إلى جوار إسرائيل بناء على قرارات الأمم المتحدة، والمبادرة العربية.

سورية والمنطقة
في المقابل، فإن الموقف الروسي يخشى من تأثيرات التحالف الإماراتي -الإسرائيلي على الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي وآسيا الوسطى، خصوصاً في ظلّ الصعود الروسي في المنطقة بعد التدخل في سورية، ورغبة موسكو في أن تكون لاعباً فاعلاً في قضايا المنطقة، بما يضمن مصالحها الاستراتيجية، ما يفسر "الترحيب المشروط" باتفاقات التطبيع. ومع زيادة المؤشرات إلى أن اتفاقات التطبيع موجهةٌ في الأساس ضد قوتين إقليميتين ترتبطان بعلاقات قوية مع روسيا، هما تركيا وإيران، وتُمهد لبناء تحالفات جديدة في المنطقة، فإن موسكو معنية في ألا تتسبب هذه الاتفاقات، بإلحاق ضررٍ كبير باستراتيجيتها في الشرق الأوسط، أو أن يكون لها أيّ انعكاسات على منطقتي آسيا الوسطى وبحر قزوين.
وفي سورية، استطاعت روسيا خلال السنوات الخمس الأخيرة، أن تنسق عملها مع الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في هذا الصراع، على الرغم من التضارب الكبير في أهداف اللاعبين. وشجعت موسكو البلدان العربية، ومن ضمنها الإمارات، على إعادة العلاقات مع النظام السوري، وسعت للتهدئة في الجنوب السوري، مع التشديد على أهمية ضمان أمن إسرائيل، ومنحت الأخيرة ضوءاً أخضر لاستهداف الوجود الإيراني. على الرغم من ذلك، فإنها تخشى أن تتحول سورية إلى ساحةٍ مفتوحة للحرب بالوكالة بين الإمارات، ومن ورائها السعودية، بالشراكة مع إسرائيل، ضد إيران ومليشياتها. هذا التحول، إن حصل، يعطل مخططات روسيا القائمة على التعجيل بحلٍّ سياسي يضمن مصالحها السياسية والعسكرية والاقتصادية في سورية، وتحقيق الاستقرار في هذا البلد، من أجل البدء بعمليات إعادة الإعمار وعودة اللاجئين والنازحين. ومن الطبيعي أن زيادة استهداف إيران من دون موقف روسي واضح، سيعمق الفجوة في مواقف البلدين حول التسوية، وقد يتسبب في خروج إيران من مسار أستانة، وتكثيف عملها العسكري في سورية، وربما في ساحاتٍ أخرى. وفي الجنوب السوري، بدأت تظهر مؤشرات واضحة وتطورات يبدو أن الإمارات ليست بعيدة عنها، من أجل تقويض الوجود الإيراني.
والخشية ذاتها قائمة لدى موسكو من فقدان أنقرة، حليف أستانة الثاني، في حال التصعيد في شمال شرقي سورية، خصوصاً في ظلّ الحراك الإماراتي السعودي، والذي لا ينفصل عن المواجهة مع تركيا.

من جهة، لا تريد موسكو وقف التنسيق المهم مع بلدان الخليج العربي، لكنها لن تسمح بانهيار إيران

وكانت الشهور الأخيرة الماضية، شهدت تقارباً واضحاً بين الإمارات ومصر ومجلس سورية الديمقراطية (مسد)، الذراع العسكرية لقوات سورية الديمقراطية "قسد"، ذات الغالبية الكردية، كما كثفت السعودية نشاطاتها بين القبائل العربية في منطقة شمال شرق سورية. وتلحق هذه التحركات ضرراً كبيراً بمخططات روسيا القائمة على تهدئة الأوضاع في هذه المنطقة، وتشجيع الحوار بين النظام والأكراد لتجنب أي حركات انفصالية. وترغب موسكو بمنع حدوث صراع كبير بين الأكراد وتركيا، وضمان الاستقرار كمقدمة لخروج القوات الأميركية.
وفي الملف السوري أيضاً، لا يمكن أن تسقط روسيا من حساباتها أن التحالف الإسرائيلي - الإماراتي يمكن أن يقنع النظام بأن انخراطه بالصراع مع تركيا وإيران، ربما يكون بطاقة لإعادة تسويقه عند الإدارة الأميركية والاتحاد الأوروبي، وضمان بقائه لمدة يستطيع فيها حسم الأمور لصالحه والبقاء في الحكم، مع وعود بضخّ الأموال لإعادة الإعمار.
أمن الخليج وبحر قزوين

بعد إعلان إدارة الرئيس السابق باراك أوباما أن بلاده تسعى إلى تخفيف وجودها في منطقة الخليج، بدأت روسيا التفكير في آلية ملء الفراغ في حال الانسحاب الأميركي، تنطلق من أن أمن الخليج يجب أن يتولاه أبناء المنطقة، ومنهم إيران، ضمن منظومة أمنٍ جماعي تشارك فيها القوى العظمى. وعرضت موسكو رؤيتها حول ذلك العام الماضي. ولذلك، قد ترى روسيا أن التحالف الإماراتي، ومن ورائه السعودي، مع إسرائيل، سوف يؤدي إلى زعزعة الأمن وانتهاء أي أملٍ لروسيا ببناء هذه المنظومة، كما سيؤدي إلى تصعيد في هذه المنطقة، يضع موسكو أمام خيارات صعبة. فمن جهة، لا تريد موسكو وقف التنسيق المهم مع بلدان الخليج العربي، وخصوصاً في موضوع "أوبك بلاس" (تضم الدول الأعضاء في أوبك وبلدان أخرى مصدرة للنفط من خارجها) لضبط أسعار النفط، ومنع انهيار اقتصادها. كما أنها ترغب بزيادة التعاون الاستثماري والاقتصادي مع هذه البلدان، وإقناعها بشراء الأسلحة، لكنها في المقابل لن تسمح بانهيار إيران. ويأتي ذلك، لأن العلاقات الروسية - الإيرانية متشعبة وتمسّ قضايا حسّاسة مثل الأمن في حوض بحر قزوين وآسيا الوسطى، وجنوب القوقاز. تضاف إلى ذلك، رغبة الشركات الروسية في الاستحواذ على جزء من الاستثمارات في قطاعات الطاقة والبنى التحتية، ولهذا فمن المؤكد أن روسيا لن تدعم أي حرب ضد ايران، ومتوجسة من أن التحالفات الجديدة سوف تتسبب في انهيار منظومة الأمن في قزوين وآسيا الوسطى، والتي عملت طويلاً على إرسائها. والخشية أيضاً تكمن في أن التحالف الجديد قد يحول أذربيجان إلى رأس حربة في أيّ حربٍ ضد إيران، ما يعني زيادةً في توتر العلاقات بين أذربيجان وإيران، وربما انهيار المنظومة الأمنية الروسية في آسيا الوسطى، مع فرص لاشتعال الحرب بشكل أقوى بين أرمينيا وأذربيجان. هذا الأمر سيزيد الضغوط على الديبلوماسية الروسية ووزارة الدفاع، والتي كانت تعمل بالتنسيق مع تركيا على ضبط الأوضاع وعدم خروجها عن السيطرة.
وأخيراً، فإن الموقف الروسي "البارد" من اتفاقات التحالف، يمكن أن ينطلق من أنه يضر بمصالح روسيا الاقتصادية بشكل ملموس، فالشركات الروسية العاملة في روسيا وأذربيجان وشمال العراق، تعد من أهم مصدري النفط إلى إسرائيل، ويمكن أن تستحوذ الإمارات والسعودية على هذه السوق. لكن الأهم ربما أن التحالف الجديد، في هذا المجال، قد يفتح على تسريع استثمار الغاز في شرقي المتوسط من الحقول المقابلة للشواطئ الإسرائيلية، ومدّ خطوط أنابيب للنفط والغاز تخفف من حجم الصادرات الروسية إلى أوروبا. كما أن الانفتاح السريع على شراكات كبيرة في قطاعات الاستثمار والمصارف، يمكن أن يحرم روسيا من استثمارات خليجية كانت تراهن عليها لتحسين أوضاعها والتخفيف من وطأة العقوبات الغربية.