الموصل.. الموت والفساد

10 يونيو 2019
ليس بالرصاص وحده يُقتل الموصليون، فالفساد والجشع اللذان يمتهنهما ساسة السلطة والمتعاونون معهم، باتا آلة تضاف إلى آلات الموت المتعددة التي تحصد الأبرياء.
ولعل ما جرى من سباق محموم على منصب المحافظ الذي تولاه، أخيراً، منصور المرعيد، القافز من "سفينة" حيدر العبادي إلى "حضن" فالح الفياض رئيس هيئة مليشيا الحشد الشعبي، يشير إلى أهمية هذه المحافظة، من حيث البعدين، الاستراتيجي والرمزية التي تمثلها الموصل، وهذا مثار تساؤلات بشأن سعي الحشد الشعبي المحموم للظفر بمنصب المحافظ، وهو ما تحقق له.
أثبتت الوقائع في المحافظة المنكوبة أن منصب المحافظ يوفر الغطاء القانوني لكل العمليات التي يقوم بها عناصر الحشد، من عمليات تهريب النفط وغيرها، كما كان يفعل المحافظ السابق، نوفل العاكوب، فالحشد يخشى ذهاب المنصب إلى شخصية يكون توجهها بعيداً عنه، وبالتالي يعرقل تحركات عناصره القابضين على المحافظة بالحديد والنار.
كما أن جريمة العبارة التي أزهقت أرواح نحو 120 شخصاً جلهم من النساء والأطفال، فضلاً عن عشرات المفقودين، على الرغم من مرور نحو ثلاثة أشهر على وقوع الجريمة، شاهد آخر على ما تقدم، إذا ما أخذنا بالاعتبار أن فصيلاً من الحشد الشعبي متهم بهذه الجريمة إلى جانب جهات أخرى.
ووصفنا لهذه الكارثة بالجريمة، ليس من باب إلقاء التوصيفات جزافاً، فقد أكد عديدون من ذوي الضحايا وشهود العيان انعدام إجراءات السلامة في مرافق الجزيرة السياحية، فضلاً عن عدم وجود أطواق أو سترات النجاة على متن العبارة، وهذا كافٍ لوصف ما حدث بالجريمة، وما يعزّز ذلك عدم اكتراث سائق العبارة لتحذيرات السلطات من ارتفاع منسوب المياه، فضلاً عن الحمولة الزائدة في أعداد الركاب، بدافع الجشع واستهتاراً بأرواح الناس، بهدف ملء جيوبهم بالمال الحرام، وهذا بحد ذاته جريمة يحاسب عليها القانون.
هذه الجريمة البشعة أظهرت مدى الفساد المستشري في مدينةٍ مزّقتها الحرب، كما أظهرت أن عائدية الجزيرة السياحية إلى "مليشيا عصائب أهل الحق" بقيادة قيس الخزعلي المتهمة بارتكاب جرائم ضد المدنيين، بحجة محاربة تنظيم داعش، وقد اتضح أن لها ما نسبته 30% من الجزيرة، حصلت عليها من خلال إرغام أصحابها الأصليين على التنازل عنها.
على الرغم من فظاعة الجريمة، إلا أن إجراءات الحكومة، ممثلة برئيسها، عادل عبد المهدي، لم تكن في مستوى الحدث، على الرغم من وعودها بكشف الحقائق، ومحاسبة المتسببين بالجريمة، وهم معروفون، إلا إنها اقتصرت على إقالة المحافظ المتهم بالفساد، ونائبيه من دون غيرهم، من المتسببين الفعليين للجريمة.
ويبدو أنّ قدر الموصليين في كل واقعة مرتبط بإقالة محافظها دون غيره، وفي ذلك شواهد عدّة، لعل أبرزها، حادثة تسليم المدينة لتنظيم داعش عام 2014، والتي أثبتت تحقيقات اللجنة النيابية التابعة لمجلس النواب تورط رئيس الحكومة الأسبق، نوري المالكي، فيها، وبينما لم يُتخذ أي إجراء بحقه، تمت إقالة محافظ نينوى السابق، أثيل النجيفي، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك، حيث اتهموه بالإرهاب، تاركين الفاعل الأساسي (المالكي) يسرح ويمرح ويمارس عمله السياسي، وكأن شيئاً لم يحدث على الرغم من كل الكوارث التي حلّت بالموصل بسببه.
وهذا يطرح علامات استفهام عديدة، أبرزها: لو وقعت جريمة مماثلة في أي محافظة جنوبية، والمتسبّب الحقيقي من الطرف الآخر، فهل سيكون إجراء الحكومة كالذي حصل في جريمة العبارة؟ بالتأكيد لا، بل سينسبونها إلى الدواعش والبعثيين، وفي ذلك شواهد مثل جريمة اسبايكر التي وقعت في تكريت عام 2014، إذ شهد العالم كيف كانت ردات الفعل، حيث لم يسلم لا شجر ولا حجر إلى جانب قتل المدنيين الأبرياء، بحجة أنهم حاضنة لداعش، كما سحقوا مدناً عن بكرة أبيها، مثل الموصل والفلوجة، وغيرهما من المدن التي اكتوت بنيران طائفية السلطة الحاكمة والمليشيات المرتبطة بها.
يبدو أن أصحاب القبضة الماسكة بالموصل من مليشيات وسياسيين فاسدين مرتبطين بها، لن يدعو المدينة تستعيد عافيتها، وتعود كسابق عهدها، برمزيتها التاريخية والحضارية، وهذا لا يوفر الاستقرار ولا يصب في مصلحة المجتمع الموصلي، فالنكبات التي تعرضت لها الموصل تشي بنيات تآمرية، بغرض تغيير ديمغرافي للمدينة من جهة. ومن جهة ثانية، الإصرار على وجود "مليشيا الحشد" في الموصل، لإتمام ممر إيران البري الذي يخترق العراق، بدءاً من ديالى المتاخمة لها، مروراً بالأنبار غرباً والموصل شمالاً، وصولاً إلى سورية ومن ثم البحر المتوسط، الذي من شأنه أن يوطد أقدام إيران في المنطقة، وأن يعطيها مساحة أوسع للوجود في أراضٍ عربية جديدة غير الموجودة فيها أصلاً من جهة، ومحاصرة دول الخليج العربي من جهة أخرى.
بات وضع المدينة مقلقاً أكثر من السابق، فهناك خشية من حدوث ردات فعل عنيفة، خصوصاً أنّ السياسيين والعسكريين الداعمين للمليشيات قادرون على القيام بتفجيرات لاستهداف المدينة، بهدف قمع أي حراك شعبي ضد وضع المدينة المزري.
يضاف إلى ذلك، استمرار السلطة المركزية في بغداد على التعامل بطائفية في الموصل، وتواجد المكاتب الاقتصادية لمليشيا الحشد، وتعيين مسؤولين فاسدين يعملون لصالحهم، من شأن ذلك كله أنّ يجعل النكبات والتنكيل والتهميش تتواصل على المدينة، وهذا يستدعي من أهل الموصل، أن يلملموا جراحهم، ويتكاتفوا لإنقاذ مدينتهم بكلّ السبل المشروعة، لإعادة مدينتهم إلى ألقها ومجدها العتيد، فإما عيش بسلام أو موت بكرامة؟
تعليق: