الموسيقى والشعر

15 يوليو 2016
الصورة

شيموس هيني استخدم الموسيقى التقليدية في أمسية شعرية (Getty)

لا أدري إن كان محمود درويش هو الذي رغب في مرافقة عازفي العود الفلسطينيين، الإخوة جبران، له في بعض أمسياته الشعرية في السنوات الأخيرة من حياته، والفنان والموسيقار اللبناني، مرسيل خليفة، في أمسية أو أمسيتين عازفاً العود في أثناء قراءته الشعر، أم أن أحداً ما قدّم له هذا الاقتراح، فوجد هوىً في نفسه. خطر لي هذا السؤال، وأنا أعمل على فيلمي عن درويش "كما قال الشاعر" الذي أنجز بعد رحيله، حيث لجأت في الفيلم إلى الاستعانة بالمؤلفة الموسيقية اللبنانية، هبة القواس، كإحدى شخصيات الفيلم، بحيث صار العزف المرتجل على البيانو قراءة لشعر محمود درويش، وليس موسيقى تصويرية، كما درجت العادة في استخدام الموسيقى في السينما، في محاولةٍ لتصعيد التأثير الدرامي في الفيلم. كانت هبة القواس تعزف أمام الكاميرا، وكأنها تقرأ شعر درويش، مثل الشعراء الذين شاركوا في الفيلم، قارئين شعره بلغات مختلفة، بحسب هوية كل شاعر. 
كان القصد أن تكون الموسيقى المجرّدة سعياً إلى كتابةٍ موازيةٍ للنصوص، تختفي من مجال السمع، حين يرتفع صوت الشاعر أو أصوات الشعراء قارئي شعره. ولم يكن القصد الارتفاع بالنصوص بما لا تحمله من سمو المعاني والإيقاع، أو إغاثتها للوصول إلى روح المتلقي إلى درجة طغيان الموسيقى على ما تمتلكه النصوص من شحناتٍ عاطفيةٍ وفوريةٍ للدخول إلى روح المستمع والصدق الذي تحمله القراءة الشعرية، وخصوصاً عندما كان درويش نفسه هو القارئ.
لكل شاعر طريقته في قراءة شعره، كما لكل شاعر صوته المميز وتأثيراته على المتلقي. وكان محمود درويش من الشعراء الذين امتلكوا صوتاً طاغياً في تأثيره، وكانت طريقته في القراءة تميزه عن بقية شعراء العربية في مدى سحره وقدرته على أسر الجمهور، الذي يستمع إليه، بحيث يشعر المستمع، العاشق للشعر، بأنه حرٌّ في ذلك الفضاء الذي يفتحه الشاعر من خلال الكلمات والمعاني، ويجعله يدخل إلى حالة توحد مع الشعر والصوت واللغة والإيقاعات المتنوعة، بلا حاجةٍ إلى وسيط آخر، حتى ولو كان هذا الوسيط الموسيقى، التي عندما تكون مرافقة لعظمة الشعر هذه، تحرف مزاج المستمع، وتجذبه خارج الفضاء الذي حملته إليه الكلمات.
في الأوساط الشعرية في أميركا وأوروبا، لا يزال الشعراء والأكاديميون والموسيقيون يناقشون مدى نجاعة استخدام الموسيقى مصاحبةً للقراءات الشعرية، ولم يتوصلوا إلى جواب شافٍ، على الرغم من التباين في الإيقاعات بين الشعر العربي والشعر بلغاتٍ كالإنكليزية أو غيرها. وإذا كان الشعر عموماً يحمل موسيقاه الذاتية والخاصة، فربما يكون الشعر العربي، بما هو منطلق من لغةٍ متعدّدة الإيقاعات والموسيقى أكثر امتلاءً بالموسيقى، بحيث تصير الموسيقى المصاحبة له ضرباً من العقاب أو الأذى للشعر نفسه.
استخدم الشاعر الإيرلندي، الحائز على "نوبل" عام 1995، شيموس هيني، الموسيقى التقليدية الإيرلندية في إحدى أمسياته الشعرية، لكن تلك التجربة لم تلق ترحيباً من عشاق شعره، الذين اعتبروا أن الموسيقى تفسد روح القصيدة، وتسرق منها توهجها وتفرّدها في الإمساك الممتع والفاتن بكيان المستمع للشعر.
لا يحتاج الشعر إلى المشهدية المسرحية، كاملة العناصر، من إفراط بالإضاءة، وإفراط بالموسيقى وإفراط بالديكورات على خشبة المسرح، فذلك يعتبر دخولاً في ما يُسمى "الشو بيزنيس" السائد في الغرب عموماً، وهو ما يمكن اعتباره انتقاصاً من قيمته نوعاً إبداعياً، الكلمة هي مجاله الحيوي. ربما تكون المشهدية مطلوبةً في حالة الشعراء الذين لا يكترث القارئ أو المستمع لما يلقونه أمامه من شعر، فقد تعوّض تلك المشهدية عن النقص في روح النصوص وقيمتها الإبداعية. لكن، في حالة الشعراء الكبار، لا حاجة لها، فيكفي حضور الشاعر البهي، ويكفي ما تتركه كلماته من مسٍّ ممتع وتحريكٍ فاتن في أرواح المستمعين إليه، فلا يحتاجون إلى شيء غير الشعر.

دلالات