المواجهات الفلسطينية... من رد الفعل إلى الفعل

29 ابريل 2018
الصورة
صمود غزة يستوجب نصراً سياسياً (أشرف عمرة/ الأناضول)
انطلقت مسيرات العودة داخل قطاع غزة المحاصر، كرد فعل شعبي وسياسي على الحصار المفروض على الفلسطينيين عموماً، والغزيين خصوصاً. بعد أن عمل الحصار على تجريد القضية الفلسطينية من أحد أهم عوامل قوتها، وهو المقاومة الشعبية، عبر تحويل القضية الفلسطينية إلى موضوع تفاوضي متنازع عليه، وكأنها قضية هامشية وبسيطة، لا تمس الحياة والوجود الفلسطيني عموماً. كما جاءت المسيرات ردا كذلك على سياسة الاحتلال والقوى الدولية الداعمة له، وأبرزها الولايات المتحدة الأميركية، في فرض سياسة الأمر الواقع، وتصفية القضية الفلسطينية من جميع أبعادها السياسية والإنسانية والحقوقية.
لكن وعلى الرغم من نجاح مسيرات العودة في كسر الحصار السياسي، أو في شقه وإضعافه في الوقت الراهن، إلا أن عملية ترسيخ وتثيت هذه الانتصارات، وتحويلها إلى قوة دافعة لمسيرة النضال الفلسطيني، يتطلب انتقال المقاومة الشعبية، ومسيرات العودة من حالة رد الفعل، إلى الفعل ذاته، الفعل المنظم، المدروس، والقادر على استعادة جميع الحقوق الفلسطينية المستلبة، بما فيها الأرض والعودة والاستقلال والسيادة الحرة غير المنقوصة على كامل فلسطين التاريخية.
وبغرض إنجاز هذا التحول النوعي، من رد الفعل إلى الفعل، علينا العمل على معالجة مجموعة من الإشكاليات والأخطاء، التي سبق للنضال الشعبي الفلسطيني والعربي الوقوع فيها، والتي ساهمت بدرجات متفاوتة في بعثرة النضالات، والحد من نتائجها المرحلية والاستراتيجية. مما ساهم بشكل غير مباشر، في إعاقة الحسم العربي والفلسطيني، ومن أبرزها:

تجنب عسكرة الصراع
على الرغم من طبيعة الاحتلال الصهيوني الكولونيالية والإجرامية والعنصرية الفاشية، إلا أن الوضع العربي والفلسطيني الراهن، غير مهيأ لانتزاع أي مكاسب عن طريق دفع الصراع نحو العسكرة، لعدة عوامل أهمها التفوق الكبير تقنيا وعسكريا لصالح الاحتلال، وصعوبة انتهاج حرب الشوارع؛ وفقاً للأوضاع المحلية السائدة بعد توقيع اتفاق السلام "أوسلو"، ونظراً لإدارة الفصائل والقوى الفلسطينية المنظمة العمليات العسكرية، من أجل اكتساب وزيادة شعبيتها بدلاً من منهجتها وفقاً لخدمة الأهداف الوطنية، ونتيجة للاختراقات الأمنية الإسرائيلية الناجمة عن اتفاق السلام كذلك، وأخيراً من أجل حماية وتطوير المقاومة الشعبية، حتى تتمكن من إفراز قياداتها السياسية والميدانية والتنظيمة، القادرة على تصحيح أخطاء القيادات المتحكمة اليوم بالوضع الفلسطيني.

تعزيز الدور السياسي والنضالي الشعبي
عبر إنهاء احتكار الفصائل الفلسطينية، والأنظمة الرسمية العربية والإقليمية، تمثيل الشعب والقضية الفلسطينية سياسياً وإعلامياً، من خلال تشجيع الشعب الفلسطيني على الانخراط الفعلي في اختيار القيادات والبرنامج السياسي، والأهداف الآنية والاستراتيجية، بهدف الانتقال من استغلال النضالات الشعبية لصالح بعض المكاسب الفئوية والتنظيمية والشخصية، إلى تطوير النضال والمقاومة الشعبية، حتى تتمكن من تحقيق أهدافها كاملة.
وهو ما يجعل من حركة المقاومة الشعبية، عبر مسيرات العودة أو غيرها من المظاهر، أحد عوامل تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية الحقيقية، بديلاً عن الاستمرار في الدوران في حلقة الاختلاف والتوافق الفصائلية، التي تسعى إلى تمكين هذا الفصيل أو ذاك من التحكم بالقضية والشعب، خدمة لمصالحه ومصالح داعميه.

التنوع والتكامل النضالي
ينقسم المجتمع الفلسطيني إلى تجمعات منفصلة ومبعثرة داخل وخارج فلسطين، مما حال دون توحيد النضال الفلسطيني وتكثيفه، منذ النكبة الفلسطينية وحتى اللحظة الراهنة. والذي يعتبر أحد تجليات فشل القيادات الفلسطينية الحالية والتاريخية. مما يتطلب منا اليوم العمل على تحقيقه من أجل حماية الحراك وتطويره، بحيث يحول التفرقة والتشتت الفلسطيني، إلى أحد عوامل قوة المقاومة الشعبية، من خلال الاستفادة من شمولية الصراع مع الاحتلال، ثقافياً وحقوقياً وإعلامياً وسياسياً وطبعا عسكرياً (لاحقا كما أشرت سابقا)، والاستفادة من اختلاف الظروف والأوضاع الفلسطينية وفقاً لأماكن التواجد الفلسطيني، مما يتيح الفرصة لتنوع الجوانب النضالية الجماهيرية، بحسب ظروف وأولويات كل تجمع، من حيث انتزاع بعض الحقوق السياسية والاجتماعية الفئوية، من أجل تطوير الصراع والنضال، وتسهيل ظروف الحياة اليومية. بشرط العمل على صهر جميع هذه النضالات، بما يخدم المصلحة الوطنية العليا، وبما يساعد كلا من هذه المجموعات على تحقيق أهداف نضالها الآنية، التي تشكل خطوات متلاحقة نحو استعادة جميع الحقوق الفلسطينية.

تحديد وتبسيط الأهداف والعمل على المدى الطويل
في الصراعات الإشكالية والصعبة والمتداخلة، كالصراع مع الاحتلال وداعميه، لا بد من تبني خطاب عقلاني وصريح مع الجموع الشعبية المناضلة، وخصوصا فيما يتعلق بطول الصراع وتعدد جولاته. فالصراع تناحري وإلغائي بشكل من أشكاله وهو ما يزيد من صعوبته، و يفرض على الجماهير التحلي بالنفس النضالي الطويل. لذا ومن أجل الحفاظ على الحالة المعنوية والإصرار والعزيمة الجماهيرية، يفضل التمييز بين الأهداف الاستراتيجية والوطنية الشاملة، التي لن تتحق إلا في الأمتار الأخيرة من الصراع، وبين أهداف الحراك أو النشاط المباشرة والآنية، التي يجب أن تكون أهدافا سهلة البلوغ والمنال، والتي تساهم في شحن المعنويات والطاقات الشعبية، مانحة الشعب بصيص أمل واقعي وفعلي، يعبر عن قدرة هذا النمط من النضال على تحقيق بعض المكتسبات المهمة. مع الحاجة لإبراز نتائج تراكم الخبرات والتجارب النضالية، التي تؤدي إلى تراكم النجاحات الجزئية والبسيطة، حتى تتحول بفعل تراكمها إلى نجاحات نوعية كان يصعب تصورها في بداية الحراك.

متطلبات الحياة اليومية والتبعية
يمثل تمكين الفلسطينيين من استعادة الوسائل الضرورية من أجل تأمين المتطلبات المعيشية والرئيسية، ركيزة أساسية للحفاظ على زخم المقاومة الشعبية. بالإضافة لاعتباره الخيار الوحيد القادر على إنهاء مظاهر التبعية السياسية والمالية، كونه يستند إلى مساعدة الفلسطينيين فرديا وجماعيا، في تأمين احتياجاتهم من أعمالهم وأشغالهم الحقيقية، بدلاً من تعميم حالة البطالة المقنعة، التي تفرضها الدول الأوروبية والعربية الداعمة للسلطة، والهيئات والمنظمات غير الحكومية، الذين يقدمون خدماتهم المالية تحت مسمى رواتب موظفي السلطة والناشطين، أو بصورة مساعدات مباشرة، بدلاً من تغيير الظروف والشروط التي فرضها الاحتلال لقطع أرزاق الفلسطينيين، وتحويلهم إلى تجمعات معتاشة على المساعدات والمنح فقط. مما يكرس التبعية السياسية والمالية، ويحد من حرية واستقلال النضال الشعبي، وبالتالي يحد من نجاحه الآني والنهائي.
لا يمكن الاكتفاء بكل ما سبق فقط، بل علينا مراجعة جميع تجاربنا السابقة والقادمة، من أجل استخلاص الدروس والعبر. كما لا يجب ان نكتفي اليوم بالإشادة والتغني بالمعاني والقيم الكثيرة التي تعكسها مسيرات العودة، وانتظار انتهائها حتى يتم توثيقها ضمن سجلات النضال الفلسطيني، بل علينا تقديرها وتقدير مقدار البذل والتضحيات التي يقدمها الفلسطينيون في غزة اليوم، من أجل حماية القضية وحماية حقوقنا المستلبة، وهو ما يتطلب العمل على تحويل هذه المسيرات إلى أولى خطوات النضال والمقاومة الشعبية المستمرة حتى النصر.
تعليق: