المهمشون ينقذون اقتصاد مصر في أوقات الأزمات... كورونا يكشف هشاشة الحكومة

06 مايو 2020
الصورة
الأنشطة غير الرسمية لا تزال صامدة في وجه كورونا(Getty)
كشفت تداعيات فيروس كورونا، عن هشاشة المؤسسات الاقتصادية في مصر، سواء في القطاع العام أو الخاص، المحسوبة على كبار رجال الأعمال، بينما أطل الاقتصاد غير الرسمي من جديد لينقذ الدولة من السقوط، على الرغم من التهميش الحكومي لهذا الاقتصاد، ومحاولات الاستهداف بدعوى دمجه في الأنشطة الرسمية.

ولعب الاقتصاد غير الرسمي دوراً كبيراً في صمود مصر، خلال الأشهر الأولى لثورة يناير/كانون الثاني 2011، والتي شهدت هروباً كبيراً لرؤوس الأموال من جانب المستثمرين الأجانب وكذلك رجال أعمال بارزين، بينما توقف كثيرون عن ضخ سيولة في السوق وإبطاء المشروعات سواء على خلفية الملاحقات القضائية التي طاولت بعضهم، أو تعمد إسقاط الاقتصاد لتمهيد الأجواء لانقلاب على مكتسبات الثورة.

ودأب نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال السنوات الأخيرة على استهداف الاقتصاد غير الرسمي عبر فرض رسوم وضرائب عليه والتضييق على الكثير من الأنشطة بدعوى دمجه في الاقتصاد الرسمي، بينما تظهر البيانات الرسمية أن حجم الاقتصاد قدر بحوالى 4 تريليونات جنيه (253.9 مليار دولار) في نهاية عام 2018، تعادل نحو 60% من حجم التعاملات السنوية للاقتصاد، وفق دراسة أعدتها لجنة الضرائب باتحاد الصناعات المصرية، ونشرت في أغسطس/آب 2019.

وتمتد أنشطة الاقتصاد إلى مختلف القطاعات والخدمات، لتضم مهنا حرفية ومصانع صغيرة ومتاجر وباعة جائلين وأنشطة عقارية متعددة وغيرها من المجالات.

ورغم تأثر هذه الأنشطة بتداعيات فيروس كورونا الجديد، إلا أنه لا يزال صامداً معتمداً على الحركة الشرائية لزبائنه لا سيما من متوسطي ومحدودي الدخل والفقراء في البلد الذي يتجاوز عدد سكانه 100 مليون نسمة.


في المقابل، تعرّضت المؤسسات الكبرى، لضربة قاصمة، لا سيما في القطاع الخاص المحسوب على كبار رجال الأعمال والمستثمرين من أصحاب الملاءات المالية المرتفعة، الذين شهدوا منافسة شرسة من قبل مؤسسات الجيش التي سعت للسيطرة على الاقتصاد خلال السنوات الأخيرة.

وأمس الثلاثاء، أظهرت بيانات متخصصة، انهيار أداء القطاع الخاص، خلال إبريل/نيسان الماضي، وهو ما لم يحدث في أوج الأزمة المالية العالمية عام 2009، متأثرا بتداعيات كورونا.

ووفق تقرير صادر عن مؤسسة "أي أتش أس" ماركت العالمية للأبحاث، فإن مؤشر مديري المشتريات الخاص انهار الشهر الماضي إلى 29.7 نقطة، مقابل 44.2 نقطة في مارس/ آذار. ويعني انخفاض المؤشر عن مستوى 50 نقطة أن ثمة انكماشاً، في حين أن تخطيه هذا المستوى يشير إلى النمو.

وتعد قراءة الشهر الماضي للمؤشر في مصر أدنى قراءة مسجلة منذ بدء الدراسة في إبريل 2011. وأرجع التقرير الهبوط الكبير إلى انخفاض النشاط والأعمال الجديدة والصادرات بمعدلات قياسية وسط التدابير الرامية إلى كبح تفشي فيروس كورونا والتي عطلت المؤسسات الكبرى للدولة.

ورغم هذا الانهيار لم تشهد الدولة سقوطاً اقتصادياً واجتماعياً، الأمر الذي أرجعه محللون إلى الدور الذي يلعبه الاقتصاد غير الرسمي والذي يعد بمثابة حائط صد في العديد من الأزمات التي شهدتها الدولة.


ويصل عدد المنشآت العاملة في القطاع غير الرسمي (المؤسسات غير المسجلة) إلى مليوني منشأة تقريباً ويعمل به نحو أربعة ملايين عامل، وفقا لجهاز التعبئة العامة والإحصاء الحكومي.

وقالت عميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية السابقة بجامعة القاهرة علياء المهدي في تقرير أوردته وكالة فرانس برس، اليوم الأربعاء: "في وقت الأزمات الذي تتعطل فيه المؤسسات الاقتصادية سواء في القطاع العام أو الخاص، يبرز دور الاقتصاد غير الرسمي كمحرك من محركات دفع النمو"، مشيرة إلى أنه يساهم في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة بين 17% و20%.

وتعرض الاقتصاد غير الرسمي للكثير من المضايقات في السنوات الأخيرة، بغية تحصيل رسوم وضرائب قدرتها دراسة اتحاد الصناعات قبل عامين بنحو 1.4 تريليون جنيه سنوياً وهو رقم يفوق كثيراً ما تستهدفه الحكومة من المؤسسات الرسمية والذي يقدر بنحو 856.6 مليار جنيه في العام المالي الحالي (ينقضي بنهاية يونيو/حزيران) وتعتزم زيادته إلى964.7 مليار جنيه في العام المالي المقبل.

وقال المحلل الاقتصادي أحمد إبراهيم لـ"العربي الجديد" إن ما يشغل الحكومة هو كيفية السيطرة على الاقتصاد غير الرسمي بغية تحقيق أكبر قدر من الموارد المالية من ورائه وليس تنميته وتعزيز كفاءته وتوسيع حجم أعماله، بينما عمدت دول كثيرة إلى تطوير هذا القطاع بتسهيلات كبيرة لإحداث نوع من التكامل في الإنتاج وتنمية الصادرات التي تعود في النهاية بالنفع على موارد الدولة.

وأشار إبراهيم إلى أن هناك مبدأ اقتصاديا شهيرا يتبنى نظرية "دعه يعمل.. دعه يمر"، عبر إزالة القيود المفروضة على الأنشطة الاقتصادية التجارية والصناعية، لكن الحكومة المصرية تتبنى مبدأ "ادفع حتى تمر".


وعمل مجلس النواب (البرلمان) المحسوب على الحكومة على إصدار العديد من التشريعات التي تستهدف فرض رسوم على عربات المأكولات الشعبية والمحال التجارية المختلفة وفرض ضرائب على المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر.

ويخشى الكثير من العاملين في الاقتصاد غير الرسمي وأغلبهم من محدودي الدخل من تزايد الإجراءات الحكومية التي تستهدفهم خلال الفترة المقبلة، خاصة أن الإيرادات المتوقعة للدولة من الاقتصاد الرسمي أضحت مهددة في ظل التوقعات باستمرار تداعيات فيروس كورونا لأشهر طويلة.

وتوقفت السياحة تماماً، وتراجعت الصادرات، ويتوقع تراجع عائدات قناة السويس وصادرات الغاز وكذلك تحويلات المصريين العاملين في الخارج، ما ينذر بفقدان الدولة مليارات الدولارات خلال الأشهر المقبلة.

وتتزامن هذه المؤشرات مع عودة احتياطي النقد الأجنبي إلى الهبوط، وفق بيانات صادرة عن البنك المركزي الشهر الماضي، لتصل إلى 40.1 مليار دولار في نهاية مارس مقابل 45.5 مليار دولار في نهاية فبراير/ شباط، بهبوط بلغت قيمته 5.4 مليارات دولار.


في هذه الأثناء، كشفت بيانات صادرة عن البنك الدولي، مطلع الأسبوع الجاري، ارتفاع الديون الخارجية إلى 112.67 مليار دولار بنهاية 2019، مقابل 96.6 مليار دولار بنهاية 2018، بزيادة بلغت نسبتها 16.6%.

ورفعت الحكومة توقعاتها للعجز الكلي في الميزانية في السنة المالية الحالية 2019-2020 التي تنقضي بنهاية يونيو/ حزيران المقبل إلى ما يتراوح بين 7.8% و7.9% من توقعات سابقة عند 7.2%.

وقال وزير المالية، محمد معيط، خلال اجتماع لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، أمس الثلاثاء، لمناقشة مشروع الموازنة الجديدة إنه كان من المتوقع أن يحقق مشروع ميزانية السنة المالية المقبلة فائضاً أولياً بنسبة 2%، إلا أنه بعد وقوع أزمة فيروس كورونا من المتوقع انخفاض هذا الفائض إلى 0.6% فقط.

وأضاف أن التوقعات أيضا كانت تشير إلى أن مشروع الموازنة سيحقق عجزاً كلياً مستهدفاً بنسبة 6.2%، إلا أنه من المتوقع أن ترتفع نسبة العجز الكلي إلى نحو 7.8% في حال استمرت الأزمة حتى 31 ديسمبر/ كانون الأول 2020. وبلغ عجز الميزانية في السنة المالية الماضية 8.2%.

تعليق: