المناضلة الصِّدامية سيلفانا اللقيس

25 ابريل 2018
الصورة
السلطات تخاف من الديمقراطية (حسين بيضون)
+ الخط -

استقالة
سيلفانا اللقيس من عضوية هيئة الإشراف على الانتخابات، أدخلت صورتها وكلماتها إلى كلّ بيت لبناني، لكنّ لممثلة المجتمع المدني تاريخاً نضالياً

تتلقى رئيسة "الاتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركياً" سيلفانا اللقيس، في مكتبها في منطقة الروشة، في العاصمة بيروت، كثيراً من الاتصالات. وسائل إعلامية مختلفة تطلب لقاءها، وبالكاد تتمكن من تحديد مواعيد المقابلات بين مسؤوليات أخرى في عملها اليومي الحقوقي. المسألة أنّها استقالت من عضوية "هيئة الإشراف على الانتخابات" قبل أسبوعين من يوم الاقتراع في السادس من مايو/ أيار المقبل.

يصدح صوت المغنية إديت بياف من هاتفها، معلناً عن اتصال يطلب مقابلة، وبعد ردّها، تقول لـ"العربي الجديد"، عن تعيينها في هذه الهيئة المولجة، تحت وصاية وزارة الداخلية، بمراقبة اللوائح والمرشحين والإنفاق الانتخابي والتواصل مع الإعلام، إنّه جاء بناء على نص قانون إنشائها، إذ اختيرت من بين الأعضاء العشرة للهيئة في خانة "الأعضاء الثلاثة من أصحاب الخبرة الواسعة في اختصاصات مرتبطة بالانتخابات". وجاء اختيارها كممثلة للمجتمع المدني.

عمل اللقيس في الانتخابات والنشاطات المرافقة لا يقتصر على "حملة حقي - الحملة الوطنية لإقرار الحقوق السياسية للأشخاص المعوقين في لبنان"، وهي الحملة التي انطلقت عام 2005، بل قبل ذلك من خلال الاتحاد نفسه منذ منتصف التسعينيات، وبعدها مع حملات عدة، وصولاً إلى اعتمادها مراقبة للانتخابات في دول مختلفة.




في ثمانينيات القرن الماضي، في قلب الحرب الأهلية اللبنانية، سافرت اللقيس إلى تشيكوسلوفاكيا (السابقة) فدرست الترجمة، ثم عادت إلى لبنان عام 1986، لتدرس بعدها اختصاصاً حديثاً في الجامعة اليسوعية هو "محرك اجتماعي". وبدأت معه عملها التطوعي في الاتحاد الذي كان يسمى حتى العام الماضي "اتحاد المقعدين اللبنانيين". تولت منصب أمينة سر فرع الجنوب في صيدا ومن بعدها باتت عضواً في إدارة الاتحاد ككل عام 1987.

عن تلك الفترة، تعتبر نفسها محظوظة بأنّها بدأت العمل في فرع اتحادي، إذ تسنى لها الاحتكاك مع جميع التحديات والمصاعب التي كانت عنوان المرحلة النضالية فيها مكافحة الانقسام بين اللبنانيين. وبالفعل، شاركت في مسيرة اللاعنف عام 1987 من أجل السلام في لبنان، وهي المسيرة التي بدأت في حلبا، أقصى شمال لبنان، وانتهت في صور، أقصى جنوب لبنان. كلّ ذلك وغيره أوصلها منذ سنوات إلى مناصب رئيسة للاتحاد، ورئيسة للإقليم العربي للمنظمة الدولية للأشخاص المعوقين الذي ساهمت في تأسيسه، ونائبة رئيس المنظمة الدولية.



تتحدث عن الاتحاد وإنجازاته الحقوقية وعمله المستمر منذ عام 1981 بكثير من الألفة. تعتبر كلّ ما فعله الاتحاد مميزاً وسبّاقاً، من قبيل مشاريع توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة وتأسيس شبكة دامجة لهم تؤمن فرص العمل اللائق الذي ترك آثاراً وتراكماً، والتعليم الدامج للأشخاص ذوي الإعاقة، خصوصاً في التعليم المهني، وكذلك مرصد حقوق الأشخاص المعوقين في لبنان، ومجلة "واو" الفصلية الصادرة عن الاتحاد، ومشروع السياحة الدامجة. تشير إلى أنّ عمل الاتحاد الحالي يتسم بالابتكار في تصميم سياسات عمله، فإلى جانب الاستناد إلى نضالات الجيل السابق، يستفيد من الخبرات العلمية والمهنية للجيل الحالي، ما يؤهل التجربة للدخول إلى الجامعات كاختصاصات ومواد.

اللقيس "مثال للمرأة بشكل عام، وليس المرأة ذات الإعاقة فقط"، بحسب المديرة العامة للبرامج في الاتحاد، حنين الشمالي، التي تقول إنّها تلتقي معها في كثير من المواقف. تعرفها الشمالي جيداً، إذ تمضي معها أكثر من 10 ساعات يومياً، وتقول: "لديها مبادئ لا تتخلى عنها، وهي ممن ناضلوا ووصلوا من دون أن تولد وفي فمها ملعقة من ذهب. أعرف كم لديها من الطاقة، وكم ستستمر هذه الطاقة طويلاً، مهما تعرضت لانتكاسات".



تلك الطاقة تتمنى اللقيس أن تفرغ جزءاً منها في الرقص، لكنّ لبنان ليس مجهزاً لكثير من نشاطات الأشخاص ذوي الإعاقة. أما الجزء الأكبر فتفرغه في نضالها الذي يذهب بها بعيداً خارج المكاتب حتى، إلى ساحات المواجهة في الاعتصامات والتظاهرات الحقوقية.

فهل هوايتها الصدام مع السلطات؟ تبتسم وتردّ: "لست على علم بأحد لديه مثل هذه الهواية". المسألة أنّ الاتحاد مع انتهاء الحرب عام 1990، اعتبر أنّ الوقت ملائم لإعادة الإعمار على أساس الدمج، الذي يراعي حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، واستمر النضال منذ بداية التسعينيات حتى اليوم على أساس الحقوق نفسها مروراً بإقرار القانون 220/ 2000 المتعلق بحقوقهم، من دون أن يتغير شيء، إذ "لم يلاقِنا القطاع العام بالهمّة نفسها، فبقينا مهمشين". هو إذاً الإقصاء الذي يجعلها مع غيرها من الاتحاديين والحقوقيين يحاربون بشراسة من أجل حقوقهم: "أيّ إنسان أو فئة تقصى إلى هذا الحدّ، سيتحول كلّ تفصيل لديها إلى حملة للوصول إلى تحقيقه، من دون ضمان لهذا الوصول حتى... لكن، يبدو أنّ كثيرين نسوا كيف يكون النضال".




هيئة الإشراف على الانتخابات التي استقالت منها، كان من مهامها "تثقيف المواطنين حول الانتخابات، وكنت ملتزمة بذلك ومتحمسة له، لكنّ وزير الداخلية نهاد المشنوق أعلن أنّها مهمة الداخلية وليس الهيئة". تشبّه هذه الهيئة بهيئة شؤون المعوقين، إذ لا استقلالية لها، بل هي تحت وصاية وزارة، فلا يمكنها أن تقول للوزير إنّه أخطأ. بذلك، تبقى القضايا في طور المماطلة "حتى صار في إمكان السلطات أن تؤسس ما يمكن أن تطلق عليه: ديوان المماطلة في القضايا". تعيد السبب في الاستهتار بالقضايا والمماطلة في الحقوق إلى "خوف السلطات من الديمقراطية، إذ تعمل في الشكل ولا تدخل إلى العمق، أي مأسسة الحوار الاجتماعي، وهو ما تعلمناه من تجارب ملاحقتنا تطبيق القوانين".

المساهمون