المكتبات العمومية في تونس.. عزلة القراءة

28 اغسطس 2019
الصورة
(المكتبة العمومية في بلدة "قصيبة المديوني" التونسية، العربي الجديد)

المَكتباتُ قلبُ الثقافة النابض.. مثالياً. قد يفترُ ذلك القلبُ، على أرض الواقع، حتى يصير هذا "الفضاء المعرفي" مجرّد قاعةٍ خاوية. ألجُ مكتبةَ بلدتي؛ "قصيبة المديوني" على الساحل الشرقي لتونس، أُصدَمُ، ابتداءً، بكثافة الغُبار الذي يتناثر على الرفوف وعلى ما في أحشائها من كتبٍ باليةٍ ذات أوراق داكنة.

ردهةٌ كبرى، تَعمرها طاولاتٌ متآكلة السيقان، مغبرّة هي الأخرى. تتكئ على حيطانِها خزاناتٌ حديديّة، تتجاورُ بِرفوفها على طول القاعة. تصطفّ فوقَها المطبوعات بحسب تصنيفٍ فضفاض: تاريخ، لغة، دين، أدب... أين عساي أجدُ "مقدمة" ابن خلدون؟

سَلَّمتُ على المكتبيَّة الوحيدة القابعة وراءَ مكتبٍ بسيط. مرأة مُحجبَّة، بيدها مروحةٌ من سَعف النخيل، تستجلب بها النسيم في هذا اليوم الحارق. اعتذرتْ عن الغبار وعن غياب مكيّف للهواء. تقول: "نحن دونَ مُدير منذ شهور. إجراءات الوزارة في التوظيف معقّدة وطويلة. تفضّل. القاعة كلها تحتَ تصرّفك".

تشرف وزارة الثقافة على هذا "الفضاء" وعلى مَن يَشتغل فيه من الكوادر والأعوان. تمدُّه الوزارة بالكتب والإصدارات الجديدة. تجوّلتُ بين الرفوف أقلّب ما سَكنها من آخر الإصدارات. فوجئت بحضور نفس المراجع التي وزّعتها وزارة الثقافة منذ عقود. هي ذات الكتب التي كنت أطالعها، هنا، منذ أكثر من ثلاثين عاماً.

قلبتها بين يديَّ فسقطت منها "جذاذة الاستعارة" المُلصقة على صفحة غلافها. بعض الجذاذات لا يزال يحمل اسمي وتاريخ استعارتي للكتاب، في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي.

يبدو أنَّ إمداد المكتبة توقّفَ من سنواتٍ، وإن ورَدَ شيءٌ جديدٌ، فنادر قد تجاوزه الزمن بسبب طول الفترة التي يقضيها في مصالح الرقابة والتسجيل والتوثيق والتوزيع...

تمتدُّ سنواتُ عزلة الكتب في الكراتين وعلى طاولات الأعوان، في انتظار قرار اللجنة وإجراءات التوطين. لكل كتابٍ وَطن. ولا يستوطن هذه الرفوفَ إلا ما تُصادق عليه لجنةُ المراقبة أو ما يَتَصدّق به أهالي الفَقيدين من رجالات الأدب. هو رجل وحيدٌ في بلدتي. وهبَ ذووه مكتبَتَه الشخصية بعد رحيله. كان قاضياً شرعياً عاشقاً للأدب واللغة. وكانت كتبُه كنوزاً عَببتُ من جواهرها. وها قد نَخرها السوس، على مرّ السنين، فلم يبق منها سوى ركامٍ لم تجد "مندوبية الثقافة" وسيلةً لا إلى ترميمها ولا إلى إخلائها.

باستثناء المراجع الكلاسيكية وأمهات الكتب الصامدة، مثل "لسان العَرب" و"تاريخ الطبري"، جلُّ ما في هذه المكتبة معارفُ تجاوزها الزمن أو روايات قديمة، غير نادرة، وطبعات بالية لنصوص لم يعد لها من قيمة سوى مكانها في التأريخ للأفكار.

أقلِّب ترجماتٍ للفكر الماركسي، التي صيغت بعربية ثورية ناصعة، وأخرى لتيارات التحليل النفسي في الثلاثينيات، جنبَ نصوص النقد الأدبي العربية التي ألِّفَت في الخمسينيات، قبل أن نستورد الشكلانية والبنيوية والتأويلية...

يُحزنني أن يقرأ أبناءُ بلدتي الصغار ما قرأتُه أنا من ثلاثة عقود، ولا يطلعون على ما أطلع عليه، اليوم، في فرنسا، حيث تعبّأ منصة "آخر ما صدر" بانتظامٍ في كل مكتبة أزورها.

تستجلب المكتبيّةُ نسيمَ الهواء. تستمع إلى راديو خافتٍ. يكمن دورُ الإطار المكتبي، أو هكذا يفترض، في توجيه القارئ وإعانته على اختيار ما يلائمه من المراجع لإجراء بحوثه.

هنا، يُسجّل الأعوان نسباً قياسية في الغياب. ألتمس لهم الأعذار وأتفهمهم. لِمَ الحضورُ في فضاء تغيب به أبسط تجهيزات الراحة؟ ولا يأتيه الرواد إلا نادراً؟ إن حَضروا فلموعدٍ مضروب بين مراهقين يتَعللون بالمكتبة فراراً من بيوتهم، صباحات الصيف الحارقة. لا يزال بعض أهالي البلدة محافظين، رغم وجود الكتابات الماركسية على مقربة منهم. هل طالعوها؟

أردت البحث عن قوائم الكتب الجديدة. صدَمني الغيابُ التام للحواسيب والأدوات التقنية الحديثة والكاتولغات المرقّمة، فضلاً عن المصادر والنصوص الرقمية. الكتالوغ الوحيد هنا مجرّد جذاذات ورقيّة مرصوفة في صناديق خشبية، لا أدري وفق أي نظامٍ. في شوارع بلدتي، تحضر التكنولوجيا الحديثة في سائر مظاهر الحياة؛ فلكل مواطن هاتفُه الذكي ولوحاتُه. ولكنّ المكتبات لم تتزوّد بهذه التجهيزات ولا بما دونها حتى تُيَسِّر الأبحاث وتوجّه القراءة، نشاطاً معرفيّاً لتنوير العقليات.

يشي حال هذه المكتبة المحليّة، في بلدتي الساحلية، بوضع القراءة في المجتمع ومكانة المكتبات في التهيئة العمرانية وفي النسيج الاجتماعي للمدن، كما في الخِطط السياسية للحكومات المتعاقبة بعد ثورة 2011: تهميش وغيابٌ وإقصاء. هل هي استراتيجية مقصودة تهدف إلى إبقاء عموم الشعب خارج دائرة القراءة، بعيداً عن منطق المكتوب والتحليل والتأمل؟ بهذا التعامل، تتأجّج معاداة العلوم الإنسانية وتسود. أما زالت تشكل تهديداً للسلطة؟

يحزنني أن أرى الأعشاب الطُّفَيليَّة تحفُّ بالمكتبة، من كل جانبٍ، حتى أتت على عَتباتها ونوافذها وحديقتها. ولذلك سأتورّعُ عن أية مقارنة بين شبكة المكتبات، عندنا، وبين نظيرتها الأوروبية. ليس لنا نفسُ الإمكانات المادية، ولا نفس الإرادة السياسية. ويتفاوت مدى الاستقلالية الثقافية بيننا وبينهم.


* أكاديمي وكاتب تونسي مقيم في فرنسا