المقدسيون وتدمير القطار الخفيف: إنه الاحتلال يا غبي

المقدسيون وتدمير القطار الخفيف: إنه الاحتلال يا غبي

12 يوليو 2014
الصورة
المقدسيون دمّروا القطار احتجاجاً على استشهاد أبو خضير(ماركو باتولي/Getty)
+ الخط -

لا تندرج مشاهد الدمار والحرائق التي حلّت بمحطتي القطار الإسرائيلي الخفيف، في بلدة شعفاط، شمالي القدس المحتلة، في خانة "الأعمال التخريبية للمرافق العامّة"، أو "فشات الخلق الصبيانية"، كما يدّعي البعض. فأهالي القدس، الذين خرجوا محتجين عقب استشهاد الفتى محمد حسين أبو خضير، بعد خطفه وإحراقه حيّاً على أيدي المستوطنين، واستهدفوا هاتين المحطتين، يعرفون تحديد "أعدائهم" جيداً، وهم يُدرِكون تماماً أن القطار ليس سوى بنية تحتية أخرى للاحتلال لا تجوز أمامه تعابير من نوع "مرافق عامّة".

لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً، فمع إقلاع أول قطار، يوم الأربعاء 2 يوليو/ تموز 2014 عند الساعة الخامسة والنصف فجراً، بعد ساعة فقط من الإعلان عن اختطاف الطفل أبو خضير، وقف أهالي شعفاط الغاضبون أمام القاطرة، معلنين بأجسادهم أن القطار لن يمرّ من قريتهم. منذ ذلك الحين، شُلّتْ، بأمر من أهالي شعفاط، حركةُ القطار من محطته الأولى شمالاً في قلب مستوطنة بسجات زئيف، التي أقيمت أجزاء منها على أراضي شعفاط، حتى محطة السّهل، آخر محطة في القرية.

أدى ذلك إلى إيقاف الحركة في سبع محطات للقطار، وإلى تعطيل نقل عشرات آلاف المستوطنين، وقد قالت شركة "سيتي باس"، المسؤولة عن تشغيل القطار، إن الخسائر تقدّر بعشرات ملايين الشواقل، إضافة إلى الضرر الكامن في انخفاض المبيعات.

في المقابل، منعت قوات الاحتلال، طيلة أيام، مرور المستوطنين من شمالي القدس إلى مركزها وجنوبها عبر الشارع الاستيطاني الجديد (شارع رقم 20)، الذي افتتحه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، العام الماضي، ويسرق أراضي بيت حنينا المجاورة لشعفاط، وهو ليس من "المرافق العامة" أيضاً.

يشترك القطار الخفيف وهذا الشارع السريع، بأنهما ضمن خطّة إسرائيلية موسّعة قدّمتها لجنة إسرائيلية خاصة في العام 1993، وتهدف إلى "تطوير نظام المواصلات في القدس، ووصْل أجزائها معاً، بما يليق بالعاصمة وحجم سكانها المتزايد"، على حدّ تعبير اللجنة. وبعد توقف القطار عن المرور في شعفاط، تشوّشت أهداف هذه الخطّة، وكان بإمكان أهالي القدس التلذّذ لصباحات عدة بمنظر الطوابير الطويلة لسيارات المستوطنين الذين لم يبقَ أمامهم سوى شارع واحد فقط للمرور به إلى خارج مستوطناتهم.

هنا يُطرح التساؤل حول ما إذا كان تكسير محطة القطار، وإحراق آلات التذاكر وأعمدة الإعلانات، وإحراق حديد السكة وقص أعمدة الكهرباء التابعة له، "تخريباً فائضاً عن الحاجة"، أو كما عبّر البعض عنه "تدميراً لمرفق إسرائيلي ولكنه يخدم المقدسيين أنفسهم". أجاب المقدسيون سريعاً، من خلال الاعراب عبر فرحهم وفخرهم بهذا التدمير؛ فأثناء وجودهم بالقرب من بيت أبو خضير، كتب المتظاهرون تعليقات مثل: "لا نريد قطاركم"، و"أحسن إشي عملوه الشباب أنهم كسروا محطات القطار". وهتفوا، بعد شروع بلدية الاحتلال بتنظيف آثار الدمار: "من شعفاط طلع القرار، من هون ما في قطار".

خلفية عن القطار
يدّعي الاحتلال أن القطار مشروعٌ مدنيٌّ يهدف إلى خدمة جمهور المسافرين من دون أي تفرقة، وإلى تخفيف أزمات السير والتلوّث في المدينة. لكن الفلسطينيين يدركون جيداً أن لا وجه مدني بحت في دولة الاحتلال، وأن مشروعاً حداثياً متطوراً كهذا هو مشروع سياسي استيطاني بالأساس، وبالتالي فهو بكل تأكيد لا يخدمهم. يُساهِمُ القطار في عمليات فرض الطابع اليهودي على المدينة، وخصوصاً في محيط البلدة القديمة. كما يعمل على فرض هيمنة إسرائيلية كاملة عليها، رابطاً الكتل الاستيطانية في شمال القدس بمركزها في خطّه الحالي، ومن المقرر أن يربطها بالمستوطنات الجنوبيّة بعد استكمال خطّه الثاني الذي سينتهي بالقرب من مستشفى هداسا عين كارم.

وسبق لرئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل، ارييل شارون، أن قال، في العام 2005، إنه يؤمن أن القطار الخفيف في القدس يجب أن يُبنى، وأنه يجب على إسرائيل أن "تقوم ببناء وتوسيع أي شيء يمكنه، كما القطار، المساهمة في الحفاظ على القدس كعاصمة أبدية وموحدة للشعب اليهودي".

ووفقاً لـ"اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات" (BDS)، فإن بناء القطار يشكل انتهاكاً للقانون الدولي، كونه يُغيّر معالم المدينة المحتلة، ويُقام على أراضٍ يعرّفها المجتمع الدولي بأنها محتلة (أراضي الـ67).

وبناءً على ذلك، فقد نشطت حملات دولية عدة لمقاضاة ومقاطعة شركتين فرنسيتين، هما "فيولا" و"ألستوم"، لهما حصص في شركة "سيتي باس" المشغلة للقطار. وفضلاً عن مشاركتها في مشروع القطار الخفيف، فإن شركة "فيولا" تشغل على أراضٍ فلسطينية، مكباً لنفايات المستوطنات في غور الأردن، وتُشغل عدداً من خطوط الحافلات من مستوطنات الضفة الغربية. ونتيجة لحملات دولية متعددة لفضحها، خسرت شركة "فيولا" الفرنسية، عقوداً كثيرة تصل قيمتها إلى مليارات الدولارات، نتيجة إحجام العديد من الجهات عن توقيع عقود معها. وقد خسرت شركة "ألستوم"، بسبب مشاركتها في بناء قطار القدس، عقداً سعودياً لبناء قطار يربط مكة بالمدينة.

لطالما حفل التاريخ الطويل للاستعمار في العالم بمقولات من نوع: "لقد جلب المستعمرون الحضارة للبلاد المستعمَرَة وطوّروا بُناها التحتية"، وهو قول يغفل عن حقيقة أن هذه البنى التحتية أنشئت في الأساس لخدمة القوى الاستعمارية وتعزيز نفوذها وسيطرتها، وهو ما حصل في أفريقيا مثلاً، إذ وُظّفت لصالح نهب المواد الخام ونقلها إلى أوروبا.

أهالي شعفاط، الذين صبّوا غضبهم على القطار ومرافقه، يدركون هذه الحقيقة، حتى وإن لم يطّلعوا على تجارب التاريخ هذه، فالأمر لا يخطِئه الوعي الوطني: القطار يمرّ فوق أراضيهم، ويصادر أجزاء منها، أثّر على شارعهم الرئيس وضيّق السير فيه، ويستغلّ حيّزهم الضيّق لتعزيز الاستيطان والتهويد، فبالتأكيد ليس "مرفقاً عاماً" يحافظ عليه.

دلالات

المساهمون