المقارنة الخاطئة... جرائم إسرائيل والنظام السوري

12 يونيو 2016
الصورة
+ الخط -
تطيب لبعضهم المقارنة بين جريمتين، للوصول إلى نتيجة أن هناك جريمة أكبر من أخرى، خصوصاً عندما يتم الحديث عن عدد الضحايا الذين يسقطون بسبب هذه الجريمة أو تلك. راجت هذه المقارنة كثيراً بعد الثورات العربية، ودخول بعضها في مأزق دموي، خصوصاً الحالة السورية التي أصبحت مقارنة الجريمة التي يقوم بها النظام السوري في مواجهة شعبه وبلده بالجريمة التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني مسألة عادية ومتكرّرة. والمفارقة أن من يعمدون إلى هذه المقارنة هم المتضامنون مع الضحايا والمؤيدون لهم، ضحايا الصراع مع إسرائيل، أم ضحايا الصراع مع نظام ديكتاتوري وحشي قاتل في سورية.
يبدو أن أساس المقارنة يقوم على ترتيب مكانة العدو، فالعدو الإسرائيلي الذي يتقدم سلم الأعداء من الطبيعي أن يرتكب الجرائم بحق الشعب الذي يحتل أرضه، وهذا لا يعني أن هذه الجرائم غير مُدانة. ولكن مقارنة الجرائم الإسرائيلية (الآتية من العدو الأول)، من نظام عنصري اقتلاعي إجلائي، مع جرائم النظام السوري (يُفترض أنه ليس عدوا لشعبه)، والتي يرتكبها بحق شعبه وبلده من زاوية الأرقام، تعطي أرجحية لوحشية النظام السوري التي تتفوّق على الوحشية الإسرائيلية طوال تاريخها مع المنطقة، وليس مع الفلسطينيين وحسب. يكفي مقارنة رقم واحد، حتى نرى حجم الجريمة التي ارتكبها النظام السوري بحق الشعب السوري. تقول الأرقام إن الصراع العربي ـ الإسرائيلي طوال القرن العشرين، أي على مدى مائة عام، سقط على كل جبهات القتال، ومن جميع الأطراف، فلسطينيين ولبنانيين ومصريين وسوريين وأردنيين وإسرائيليين وغيرهم مائة ألف قتيل، وتقول الأرقام السورية أنه خلال خمس سنوات من المذبحة المستمرة في سورية سقط في أقل التقديرات ثلاثمائة ألف قتيل. وذلك في "معركة!" التصدّي لمؤامرة تستهدف موقف الممانعة الذي يقفه النظام السوري في مواجهة إسرائيل! كما يدّعي أبواق النظام.

قد تبدو المقارنة مفيدةً من زاوية إلقاء الضوء على شمولية الوحشية التي يمارسها النظام السوري في قمعه الوحشي شعبه، ومقارنتها بأسوأ ممارسات العدو التاريخي الأول في المنطقة. ولكن، أعتقد أنه في الوقت الذي تؤدي هذه المقارنة إلى إلقاء ضوء أوسع على جرائم النظام السوري، فهي تخفّف من وقع الجريمة الإسرائيلية بحق الفلسطينيين وغيرهم في المنطقة، بحيث يظهر العدو الإسرائيلي رحيماً بحق الفلسطينيين، في وقت يستهدف فيه النظام السوري الجميع بإلقاء البراميل المتفجرة، تقوم إسرائيل بـ"بالإحباط الموضعي" كما تدّعي، أي أنها تستهدف الشخص الذي يشكل تهديدا فقط. وإسرائيل نفسها استفادت من ذلك، وهي دائما تستثمر هذا الوضع، وتشير إلى الوحشية التي تُمارس في البلدان المحيطة، على قاعدة أن هذه المقارنة تجعل من إسرائيل الحمل الوديع، في وقتٍ تحيط بها أنظمة متوحشة.
تعاني هذه المقارنة، على وجاهتها، من عيب كبير، عيب تجزئة القيم المطلقة، بالنظر إلى الشرح ومحاولة الفهم وإعطاء صورةٍ عن وحشية الجريمة، فإن هذه المقارنة تؤدي دورها. لكنها من زاوية القيم الأخلاقية العميقة، تخفي جريمةً بوقوع جريمةٍ مجاورة أكبر منها. أدرك أن المقارنة من المتضامنين مع الضحايا بريئة، تهدف إلى إظهار ضخامة الجرم المرتكب في سورية، لكنها موضوعياً، في الوقت الذي تحاول إظهار ضخامة الجرم في جانب، فهي بالضرورة تقوم بتصغير الجرم على الجانب الآخر من المقارنة، وهو ما لا يخدم الضحايا على أيٍّ من الجانيين.
في الجرائم الكبرى، لأسباب أخلاقية وإنسانية، لا يمكن قبول هذه المقارنة بين جُرميْن كبيريْن وضخمين، من زاوية أخلاقيتها وإنسانيتها، فالقتل جريمة كبرى في كل المقاييس الأخلاقية، سواء كان القتيل واحداً، أو مئات الآلاف. إن قتل مئات الآلاف في جانب لا يجعل قتل واحد فقط على الجانب الآخر مقبولاً أخلاقيا. إن كل قتل هو قتل مطلق بالمعنى الأخلاقي لإدانة الجريمة بحق الضحايا، وأسوأ ما نقوم به بشأن ضحايا الصراعات الشرسة أننا نحولهم أرقاماً، وعندما نفعل ذلك، نكون قد أزلنا ملامحهم البشرية وعلاقاتهم مع أحبتهم، وجعلناهم مجرد رقم إحصائي، نقارنه برقم آخر في جريمة أخرى. أما البشري الذي كانه هذا الرقم الذي، يبكى، ويضحك، ويحزن، ويحب، ويحلم... فهو يغيب وراء الأرقام الجافّة التي تحصي ضحايا الصراعات هنا وهناك.
الجريمة الكبرى التي ارتكبها، ويرتكبها، النظام السوري، والمستمرة منذ أكثر من خمس سنوات، لا تحتاج إلى جريمة أخرى، للمقارنة بها لمعرفة وحشيتها ودمويتها، فهي جريمة مكتملة الأركان، وهي مطلقة بحق شعب وبلد. وكون العالم يسكت عن/ ويتواطأ مع جريمة بهذا الحجم، لا يغير من مستوى الانحطاط الأخلاقي لمرتكب هذه الجريمة الكبرى، وانحطاط العالم الذي يسكت عنه.
وفي جريمة أخرى، كجريمة إسرائيل بحق الفلسطينيين، لا يجعل سقوط عدد أقل من الضحايا، بآلتها الحربية الرهيبة، جريمةً أقل إدانة بالمعنى الأخلاقي، فالجريمة مستمرة بحق هذا الشعب، بإنكار كل حقوقه، بحجة أن إسرائيل هي بلد "الضحايا المطلقين" الناجين من المحرقة! وكأن تبرير الجريمة بأن مرتكبها ضحية، يجعلها أكثر قبول أخلاقياً، مع أنني أعتقد العكس، أن الجريمة التي ترتكبها ضحية، يجعلها جريمةً أكثر تعقيداً، ولا أقول إنها أسوأ من غيرها، لأنني لا أعتقد أن هناك جرائم سيئة وجرائم غير سيئة.
أعتقد أننا، نحن الذي نقف من الضحايا، علينا أن نكفّ عن المقارنة بين آلام الضحايا هنا وهناك. وعلينا التعامل مع كل الآلام التي تتسبّب بها جريمة لأي كان من البشر، بوصفها جريمةً مطلقة، سواء كانت الضحية واحداً أو ملايين. الضحية مطلقة، لأن الحق في الحياة مطلق، فليس من حقّ أحدٍ ظلم الآخر وسلبه حياته، القتل هو الجريمة المطلقة.