المغرب والأزمة الخليجية

المغرب والأزمة الخليجية

14 يونيو 2017
+ الخط -
اختارت المملكة المغربية موقفاً دبلوماسياً، أطلق عليه اسم الحياد البنّاء إزاء الأزمة التي عصفت بالبيت الخليجي، ونتج عنها حصار قطر براً وجواً وبحراً من السعودية والإمارات والبحرين ومصر، مضافاً إلى هؤلاء دول أخرى صغيرة وغير مؤثرة، اختارت أن تدور في فلك الرياض وأبوظبي.
تأخر نسبياً رد فعل الدبلوماسية المغربية أسبوعاً، ثم صدر بيان يوم الأحد، جاء فيه أن المملكة المغربية حرصت "على عدم الانزلاق وراء التصريحات، واتخاذ المواقف المتسرعة، والتي لا تقوم سوى على تأجيج الخلافات وتعميقها"، وفي هذا الصدد "دعا الملك محمد السادس كل أطراف الأزمة إلى ضبط النفس والتحلي بالحكمة من أجل التخفيف من التوتر". وعبّر بيان وزارة الخارجية "عن التزام المملكة بحيادٍ بناء، لا يضعها في خانة الانزلاق المقلق لأزمةٍ بين دول شقيقة". وأعلنت الرباط استعدادها "لبذل مساعي حميدة من أجل تشجيع حوار صريح وشامل على أساس عدم التدخل في الشؤون الداخلية لكافة البلدان". وبعد يوم على البيان الذي فاجأ مراقبين كانوا ينتظرون من الرباط الصمت أو الانحياز إلى المحور السعودي الإماراتي، نظراً لقوة العلاقات الاقتصادية والسياسية مع الرياض وأبوظبي، إلا أن المفاجأة كانت غير متوقعة، عندما صدر بيان ثان يعلن فيه الجالس على عرش المغرب أنه "قرر إرسال مواد غذائية إلى دولة قطر، تماشياً مع تعاليم الدين الحنيف، وما يستوجبه شهر رمضان الكريم من تكافل وتآزر وتضامن بين الشعوب الإسلامية". وللتخفيف من قرار المملكة كسر المقاطعة الخليجية لقطر، وتعريةً للبعد غير الأخلاقي للمقاطعة الخليجية للدوحة، قال بيان القصر الملكي إن القرار "لا علاقة له بالجوانب السياسية للأزمة القائمة". وهنا، لابد من إبداء ملاحظات بشأن الموقف المتميز للرباط إزاء أخطر أزمة تضرب البيت الخليجي، منذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي سنة 1981:
أولاً: لم يرفض المغرب فقط طلب السعودية والإمارات الانحياز إلى صفهما، وإعلان موقف مماثل إزاء قطر التي تُتّهم بدعم الإرهاب، والخروج عن الإجماع الخليجي، بل عمد إلى اتخاذ موقف الحياد الإيجابي، ودعوة الأطراف جميعها إلى ضبط النفس والتحلي بالحكمة وعدم التصعيد، ما يعني أن الرباط لا تتفق مع رد فعل السعودية والإمارات والبحرين ومصر إزاء قطر، مهما كانت المبرّرات التي لا يبدو أنها أقنعت أحداً شرقاً وغرباً، فلو أن المملكة المغربية، وهي التي تعتبر محاربة الإرهاب من ثوابتها الدبلوماسية، صدّقت مزاعم الرياض وأبوظبي التي تتهم الدوحة بدعم الإرهاب ما كانت لتتردّد لحظة في الانضمام إلى محور المقاطعة، واتخاذ المواقف نفسها دفاعاً عن أمن الخليج الذي ساهم المغرب في الدفاع عنه في المشاركة في حرب اليمن، وفي إرسال قوات عسكرية إلى الإمارات قبل سنتين، عندما كانت دولة "داعش" تتمدد في العراق وسورية.
ثانياً: يعرف الجميع أن قطر لا تحتاج معونات غذائية من المغرب في أقصى غرب العالم العربي، لكن المعنى الصريح لرسالة المغرب من إرسال شحنات من الغذاء إليها أن الرباط ترفض، أخلاقياً لا سياسياً، حصار شعب عربي في رمضان من الإخوة الأعداء. وقد أكسب هذا الموقف الرباط تعاطفاً كبيراً في الشارع الخليجي، وفي العربي عامة. وهي بادرة لن تلقى بالتأكيد الصدر الرحب من الرياض وأبوظبي اللتين خسرتا، منذ اليوم الأول، معركة الرأي العام، خصوصاً بعد أن شتتا شمل أسر خليجية، وقامتا بإجراءاتٍ غير مبررة قانونياً ودبلوماسياً وإنسانياً، لا يقبلها العالم المتحضر اليوم، مهما كانت حدة الخلافات بين الدول.
ثالثاً: على الرغم من أن العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية أقوى بين المغرب والسعودية والإمارات والبحرين بالمقارنة مع علاقات الرباط بدولة قطر، فإن الملك محمد السادس اختار المجازفة بالمصالح من أجل المبادئ، خصوصاً وقد عاين كيف أن الموقف الأوروبي لم يساير العواصم التي قاطعت قطر، ما يدل على أن المزاج الشعبي والرسمي في عموم البلاد العربية لا يؤيد فرض وصاية الدول الكبرى على شقيقاتها الصغرى، مهما وصل الخلاف حول الخطوط الدبلوماسية والحسابات الاستراتيجية في منطقةٍ ليست الفوضى ما ينقصها.

دلالات