المغرب وإسرائيل والتطبيع .. الممكن من المستحيل

08 سبتمبر 2020
الصورة

مغاربة يتظاهرون في الرباط ضد خطة السلام الأميركية (9/2/2020/فرانس)

+ الخط -

تكثر التنبؤات، والأخبار الموجّهة عن التحاق محتمل لبلاد المغرب بقطار التطبيع الذي بدأت صفّاراته تملأ فضاء الشرق العربي، بل وصل الأمر إلى حد التلويح بتهديدات مبطّنة، تجعل أخبار المغرب، المزيفة والمليئة بالخيال السياسي الهوليوودي، تتصدّر قنوات عديدة، منها القناة الإسرائيلية آي نيوز 24 الرسمية... ما حقيقة ما يتم ترويجه، والربط بين اعتراف أميركا النهائي بمغربية الصحراء واعتراف المغرب بإسرائيل؟
تسمح الجغرافيا والتاريخ معا بقراءة هادئة لما يراه المغرب اليوم في قضايا الشرق الأوسط. جغرافياً ليس للمغرب جوار صعب ولا سهل مع دولة الاحتلال، إسرائيل. وتاريخيا، لم يكن أبدا يزايد على الفلسطينيين في فلسطين. وكان ينتظر أن يتحدّثوا ليقول رأيه، حتى عندما تقوده السياسة إلى الواقعية، فإنه لم يتمرّن أبدا على القفز على حقائق الواقع والتاريخ والحق مجتمعة.
وفي الوقت الراهن، يبدو التطبيع والاعتراف المتبادل، أو غيرهما من التسميات، حلقة جديدة، في تطبيع القدس عاصمة لإسرائيل، وامتدادا للموقف الرئاسي الأميركي لدونالد ترامب، بنقل السفارة الأميركية إلى القدس، واعتبار المدينة عاصمة إسرائيل ضد المواثيق والمقرّرات الدولية ما يقارب سبعين سنة.
وبقراءة التطبيع المزعوم بين الرباط وتل أبيب من هذه الزاوية، نجد دخول هذا المنطق إلى الاستحالة أكثر من اقترابه من الاحتمال. وبالنظر إلى رهانات التطبيع، نجد أولها هو تمرير القدس عاصمة لإسرائيل، واستكمال الوعد البلفوري الجديد الذي قدمه ترامب بحسم العاصمة "الأبدية" لإسرائيل على حساب الحل الأممي المتوافق عليه بجعل القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة، وهو القرار الذي لم يتردّد ملك البلاد، محمد السادس، في رفضه، في رسالة واضحة اللغة والمضمون إلى الرئيس ترامب نفسه، وعدم الاكتفاء بتصريحات أو بلاغات دبلوماسية، تكاد تكون مكرورة في العالم العربي. وملك المغرب يترأس لجنة القدس، إرثا وامتدادا والتزاما. وبالتالي، كان قرار نقل السفارة امتحانا أوليا، ولم يترك المغرب فترته تمر بأي التباس، وكان واضحا، وقدر المغرب أن القضية محفوفة بأسئلة كثيرة وألغامها. وكان لافتا أن محمد السادس تحدث في رسالته في ديسمبر/كانون الأول 2017، بصفته "رئيسا للجنة القدس، المنبثقة عن منظمة التعاون الإسلامي، التي تضم 57 دولة تمثل أكثر من مليار مواطن"، كما تحدّث عن عواطفه الشخصية، في الوقت ذاته، بالحديث عن "انشغاله الشخصي العميق.."، وذكر بثوابت الحل، ورفض تغيير معايير القضية في المحفل الأممي، بالتأكيد على أن "القدس، بحكم القرارات الدولية ذات الصلة، بما فيها على وجه الخصوص قرارات مجلس الأمن، تقع في صلب قضايا الوضع النهائي، وهو ما يقتضي الحفاظ على مركزها القانوني، والإحجام عن كل ما من شأنه المساس بوضعها السياسي القائم". ومن البديهي أن التطبيع لن يساعد في الحفاظ على المركز القانوني للقدس، ولا وضعها في صلب الحل النهائي للقضية برمتها.

بقراءة التطبيع المزعوم بين الرباط وتل أبيب من زاوية الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، نجد دخول هذا المنطق إلى الاستحالة أكثر من اقترابه من الاحتمال

ثانيا، النقطة التي روّجتها الآلة الدعائية العربية - الإسرائيلية المتزاوجة هي الربط بين الاعتراف بدولة إسرائيل والتطبيع معها مقابل اعتراف نهائي من أميركا بمغربية الصحراء. والمعروف، في هذا الباب، أن واشنطن، هي "حاملة القلم"، في قضية الصحراء، بمعنى أنها التي تصوغ القرارات في القضية، وتجري المشاورات بين أعضاء مجلس الأمن في الموضوع، ولا يوجد أي قرار لا تكون لها يد فيه. وقد سبق للمغرب أن أعلن، رسميا وعلنا، عن غضبه من الإدارة الأميركية بخصوص بعض مواقفها من قضيته الوطنية الأولى، والتي يعتبر أن أي مخطط لتهديده وتهديد استقراره، سيكون من بوابة القضية تلك، كما قال ملك البلاد في قمة الرياض في إبريل/نيسان 2016.
في الشرط الأخلاقي، المبني على الإلتزام التاريخي والروحي والقانوني بعدالة القضية الفلسطينية، لا يستسيغ الرأي العام الوطني، المتمسك بوحدة التراب، أن تربط قضية الصحراء بالاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها، فتلك سقطة أخلاقية لا يرضاها المغاربة، ملكا وشعبا، لأنفسهم. ذلك لأن في هذا التقابل مضمرات سيئة وماكرة للغاية، تنزع عن المغرب سموّه الأخلاقي الوطني في قضية مقدّسة، هي قضية الوحدة الترابية، ويجعله، ضمنيا، في صف المحتلين، لا في صف المدافعين عن حرية التراب ووحدة الإنسان وقوام الأمة، كالفلسطينيين تماما، وهو ما يرفضه المغاربة جميعهم، لما تحتله القضية الترابية الوطنية من قدسيةٍ في أعماقهم، وما تؤسّسه من شرعياتٍ متعدّدة، منها الشرعية الأخلاقية، سيما وأنهم منذ انطلاق معركة استرجاع الأقاليم الجنوبية، في وقت سابق من سبعينيات القرن الماضي، ربطوا في شعاراتهم وتظاهراتهم بين القضيتين ربطا ثابتا من خلال الشعار الموحد: "الصحراء مغربية، وفلسطين عربية".

المعروف في باب مغربية الصحراء أن واشنطن هي "حاملة القلم"، في القضية، بمعنى أنها التي تصوغ القرارات، و تجري المشاورات بين أعضاء مجلس الأمن في الموضوع

لفهم الموقف، يكون للتاريخ دوره، فتاريخ المغرب هو تاريخ التزامه بالمشاريع السلمية، من الاعتراف بالتمثيلية الحصرية للشعب الفلسطيني ممثلا في منظمة التحرير الفلسطينية، إلى خطة مؤتمر فاس الشهيرة، في ثمانينيات القرن الماضي، إلى الدبلوماسية الموازية، والسرية حتى، التي لا تتزعزع عن مبادئ الحق والواقع معا، فالمغرب كان حاضنا للقمة العربية التي ستكرس منظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا للفلسطينيين، إبّان القمة العربية الثامنة في العاصمة الرباط (26 - 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1974). وتبنّت القمة هذا القرار لينهي بذلك التنافس العربي النظامي على تجيير القضية للتوازن الدولي حينا والتنافس الإقليمي حينا آخر، بين أنظمةٍ كان عنوان ثوريتها توجيه جسد الفلسطيني إلى الحرب التي يموت فيها بدل الجيوش النظامية!
ولعل التطورات التي حدثت جعلت القضية في ترتيب بعيد عن الصدارة، في الشرق العربي، كما في الساحة الدولية، لكن ذلك لا يمنع أن الحق يظل دوما في الواجهة، والتاريخ يسنده بالالتزام الثابت. ومن المغازي التي تخفى أحيانا على المتتبعين ذلك الحضور القوي للوطنية وقيمها، إلى حدود الساعة، في ترتيب مواقف المغرب وسياساته الخارجية والداخلية، إذ ما زالت لازمات الوطنية والتحرير والتضحية والوحدة الجماعية، من ثوابت القاموس والفعل في المغرب، من جهةٍ لأنها كانت قاعدة للعقد السياسي في البلاد منذ تحريرها، ومن جهة أخرى لأن الحاضر يستدعيها في كل ملمّةٍ تواجهها، ويستدعي التكافل والتعاضد، كما يحدث الآن في المغرب، بخصوص مواجهة الفيروس المستجد.

المغاربة ليسوا في حاجةٍ إلى سقوط أخلاقي من أجل كسب دبلوماسي، وهم يؤمنون بأنهم لو كانوا كذلك لخضعوا للمعادلات والتسويات في قضيةٍ مقدّسة

تلخيصا، ليس المغاربة في حاجةٍ إلى سقوط أخلاقي من أجل كسب دبلوماسي، وهم يؤمنون بأنهم لو كانوا كذلك لخضعوا للمعادلات والتسويات في قضيةٍ مقدّسة، لما ماتوا من أجل أرضهم، ومن أجل التراب والإنسان فيها. هي بداهة تضاف إلى رئاسة ملك البلاد لجنة القدس التي تعد اليوم بؤرة التوتر، وملخصه الروحي والعمراني والتاريخي، ولا يمكن للتطبيع أن يكون، والبلاد مؤتمنة على القدس، وعلى وضعها في صلب الحل النهائي، في وقتٍ نرى فيه شهية الضم والاستيطان تتغوّل!..
يضاف إلى ذلك، راهن المغرب، على أي مستويات ذات أثر عميق، في السنوات الانتخابية الأميركية، ولعل السفير الأميركي السابق في المغرب، أندرو غابريل، أحد العارفين بذلك. نشر مقالا في "ذا هيل"، جاء فيه: "تجنب كل ملك مغربي الخوض في السياسة الأميركية، والتعبير عن مواقف. وعرف المغرب أنه إن لم يكن الأول مع طرف السلام فسيخسر.."، كما أنه "تجنب اتخاذ مواقف حزبية في أثناء الدورات الانتخابية..".