المغرب.. تَذْريرُ السياسة

05 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
على عكس ما توقع بعضهم، صادقت لجنة المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية في مجلس المستشارين على المادة التاسعة من مشروع قانون المالية في المغرب 2020، والتي تنص على منع الحجز على أموال وممتلكات الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية لأجل تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها. وجاءت المصادقة بعد أن أخفقت الفرق البرلمانية في المجلس في التوافق على تقديم تعديلات مشتركة بشأن المادة المذكورة. 
وقد أثار إقحام هذه المادة في مشروع قانون المالية انتقاد الأوساط القانونية والقضائية، على اعتبار ذلك منافيا للقانون، فمقتضيات القانون التنظيمي للمالية لا تُدرج تنفيذ الأحكام القضائية ضمن قانون المالية، فضلا عن الالتزامات الدولية للمغرب في هذا الصدد، والتي أحالت عليها الوثيقة الدستورية (2011) بشكل واضح وصريح، سيما فيما يتعلق بـ ''الاختيار الديمقراطي'' و''سيادة الحق والقانون'' و''فصل السلط''، وغيرها من المبادئ التي تنهض عليها الأنظمة الديمقراطية وتأخذ بها.
والواقع أن مصادقة البرلمان المغربي على هذه المادة تكشف عن تقاطب متصاعد بين رؤيتين: رؤية سياسية تعتبر إقحام هذه المادة في قانون المالية مخالفـا للدستور، وضربا لاستقلالية القضاء ومسّا بأحكامه، وتراجعا حقوقيـا واضحا. ورؤية تكنوقراطية ترى أنه لا مانع، أحيانا، من تجاوز الاعتبارات الدستورية والقانونية والحقوقية إذا كان ذلك يصبّ في ''المصلحة العامة'' ويضمن استمرار سير المرفق العمومي.
هذا التقاطب ليس وليد اليوم، بل يعود إلى سنوات خلت، حين نجحت الأحزاب التاريخية، نسبيا، في إحداث بعض التوازن في مواجهة سطوة التكنوقراط على تدبير السياسات العمومية. ويمكن الإشارة هنا، مثلا لا حصرا، إلى الصعوبات التي واجهت تنزيلَ قانون إحداث المحاكم الإدارية مع بداية التسعينات، وهو القانون الذي تبدو المادة المذكورة على صلةٍ وثيقة به، فقد كان من غاياته تخويل المواطنين وسائل قانونية ناجعة لمواجهة عسف الإدارة التي ترفض، في أحيان كثيرة، تنفيذ الأحكام القضائية الصادرة ضدها.
كانت هذه الصعوبات جزءا من مقاومة اللبرلة الطفيفة التي كانت الدولة المغربية، آنذاك، بصدد إدخالها على مؤسساتها في ظل نهاية الحرب الباردة، وصعود خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان.
اليوم، وبعد أن جرت مياه كثيرة تحت جسور السياسة في المغرب، يبدو أن التكنوقراط يستعيدون تدريجيا زمام المبادرة، في ظل تراجع الأحزاب السياسية على أكثر من صعيد. وقد بدأ ذلك في مجلس النواب الذي يُفترض أن أعضاءه يستمدّون نيابتهم من الأمة، حيث كان لافتـا أن المجلس، في مصادقته على المادة المذكورة، يفتقد الحد الأدنى من القدرة على تقييم السياسات العمومية وتعميق النقاش بشأنها، الأمر الذي يُكرّس، بشكل أو بآخر، عودة التكنوقراط إلى التحكّم في هذه السياسات وإدارة توتراتها الاقتصادية والاجتماعية، في مقابل تراجع السياسيين وانكفائهم. وفي وقتٍ كان يُنتظر أن تُمثّل المصادقة على مشروع قانون المالية فرزا واضحا بين الأغلبية والمعارضة، جاءت نتيجة التصويت لتخلط الأوراق بشكلٍ لا يخلو من دلالة، إلى درجة أن أحزابـا صوّتت على المادة نفسها في مجلس النواب، وعارضتها أو امتنعت عن التصويت عليها في مجلس المستشارين.
من هنا، فعودة الأطر والكوادر الفنية إلى التحكّم في السياسات العمومية، وإن كانت تنسجم مع تقليد عتيق لدى الدولة المغربية التي تُفضّل الاعتماد على هؤلاء في إدارة مؤسساتها الاقتصادية والسياسية والإدارية، إلا أنها نتيجة حتمية لتذريـر السياسة، من خلال عزلها عما يفرزه المجتمع من ديناميات، وتقليصِ مجال حضورها في إعداد هذه السياسات وتنفيذها وتقييمها، والحدّ من اشتباكها بما يستجد داخل الفضاء العمومي من أسئلةٍ وقضايا. وقد لاحظنا كيف بدا النقاش العمومي بشأن المادة المذكورة متقدّما، خصوصا على مواقع التواصل الاجتماعي، بينما بدت معظم الأحزاب عاجزة عن التفاعل مع هذا النقاش ومواكبته.
تتحمّل الأحزاب المغربية مسؤولية جسيمة في هذا الوضع، بعد أن تحوّلت إلى مجرد دوائر ضيقة لصناعة النخب، وتسويق الريع الحزبي والانتخابي، وتزكية البرامج والتدابير التي تقدّمها السلطة، وبالتالي، لم تعد قادرة على الإسهام في هيكلة التدافع الاجتماعي وتنظيمه، بما يحافظ على التوازن في علاقة الدولة بالمجتمع.