المغرب.. تعديل حكومي برهان انتخابي

المغرب.. تعديل حكومي برهان انتخابي

26 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
أُجري في المغرب، قبل أيام، تعديل حكومي مفاجئ، بعدما ظل رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، يردّد إن الحديث عن أي تعديل حكومي وهم، حتى أعلنت عنه المؤسسة الملكية. وربط خطاب العرش دواعيه بإطلاق حزمة جديدة من المخططات القطاعية الكبرى، تتطلب نخبا وكفاءات جديدة في مواقع المسؤولية، تكون في مستوى المخرجات التي ستصدر عن اللجنة الخاصة ببلورة المشروع التنموي الجديد، وفي مقدورها المساهمة في الانطلاقة الجيدة لهذه المرحلة. 
شهدت الحكومة أكبر عملية تخسيس في تاريخ المغرب المعاصر، فضمت فريق عمل من 23 وزيرا بدل 39 وزيرا وكاتبا للدولة في نسختها الأولى. وتقلصت مكونات الائتلاف الحكومي إلى خمسة أحزاب، بعد انسحاب حزب التقدم والاشتراكية من الأغلبية. وانتقلت من منطق المحاصصة الحزبية إلى اعتماد التنسيق بين الأقطاب، قصد تحقيق الالتقائية والتعاضد بين مختلف القطاعات الحكومية. وتقيّد التعديل الحكومي بالدواعي في الخطاب الملكي في حدودها الدنيا، فحكومة "الكفاءات" التي تغنّى بها الجميع لم تحمل، في تركيبتها، سوى ستة وجوه جديدة. وحافظ 18 وزيرا على مواقعهم؛ إما بتدبير القطاع الوزاري نفسه مع توسيعه أحيانا، بسبب الدمج بين القطاعات، أو الترقية لتولي مهام قطاع وزاري أكبر من الذي كان يشرف عليه. وعطل التعديل المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة، بعدما أبقى وزراء في مناصبهم، على الرغم مما شهدته قطاعاتهم من اختلالات كبيرة، كشف عنها أخيرا تقرير المجلس الأعلى للحسابات.
يتبين أن ما جرى محاولة لإعادة الانتشار قبل حلول موعد الانتخابات، فتفكيك تركيبة حكومة 
العثماني الثانية يكشف عن إعادة توزيع القطاعات، وفق هندسة جديدة غايتها الإمعان في تجاهل الإرادة الشعبية التي أفرزتها صناديق الاقتراع. تقلص عدد الوزارات المسندة لحزب العدالة والتنمية إلى ست من أصل 12 في الحكومة السابقة، وهو الحائز على 125 مقعدا برلمانيا. في المقابل، حصد حزب التجمع الوطني للأحرار أربع حقائب وازنة في الحكومة (الاقتصاد والمالية، الفلاحة والصيد، الصناعة والتجارة، السياحة والنقل الجوي) عن 37 مقعدا في البرلمان. فأي معنى لإسناد وزارات بهذا الثقل والأهمية إلى حزبٍ بوّأه المغاربة المرتبة الرابعة في الانتخابات التشريعية؟ خصوصا أن زعيمه عزيز أخنوش الذي يتولى تدبير قطاع الفلاحة منذ 12 سنة حظي بنصيب مهم من صفحات التقرير المشار إليه.
عزّز التعديل الحكومي مكانة التكنوقراط؛ أي الوزراء اللامنتمين، على حساب الوزراء المتحزّبين، فبلغت نسبتهم في هذه النسخة الحكومية 38%، وترتفع هذه النسبة إلى 54%، عند احتساب الوزراء التكنوقراط المصبوغين بألوان حزبية. اتسع نطاق الوزراء المستقّلين داخل الحكومة، عكس كل التوقعات، وامتد خارج القطاعات السيادية التقليدية، حيث أسندت لهم مهام تدبير تسع وزارات؛ من بينها الصحة والسياحة والتعليم العالي. وهذا مؤشّر سلبي، من شأنه أن يزيد من مشكلات الأحزاب السياسية، فهو يكشف عجزها عن تكوين وتأهيل نخب سياسية قادرة على تدبير القطاعات الحكومية.
خسِر سعد الدين العثماني جرّاء هذا التعديل حليفا سياسيا استثنائيا، ظل حزب العدالة والتنمية يحافظ عليه منذ أول فوز له في الانتخابات التشريعية في المغرب عام 2011. إنه حزب التقدم والاشتراكية، اليساري الذي انتقل أول مرة إلى المعارضة، مند حكومة التناوب التوافقي سنة 1998. وبهذا يعمق حزب المصباح (العدالة والتنمية) عزلته داخل الحكومة، سواء في مواجهة تكتل الأحزاب الأربعة المشكلة للائتلاف، المحسوبة على زعيم حزب الأحرار، في معركته ضد رئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران. وفي مواجهة تكتل الوزراء غير المنتمين، ممن يحتلون الصدارة من حيث عدد المناصب، ويضع حدا لتحالف "إسلامي يساري" بمثابة تفاهم استراتيجي فريد من نوعه، من أجمل ما تركه الربيع العربي من آثار في المشهد السياسي المغربي.
فقدت الحكومة في هذا التعديل نصف وزنها، وخرج حزب سياسي بعدما أمضى عشرين عاما في صفوف الأغلبية، وهيمنت السلطة بتعزيز حضور ممثليها داخل الحكومة، وتشكلت أقطاب وزارية جديدة، بدمج قطاعات منفصلة في النسخة الأولى من الحكومة. وقع هذا كله من دون أن يطرح أي فصيل من مكونات الأغلبية فكرة مراجعة البرنامج الحكومي، حتى ينسجم مع الهندسة الجديدة التي تم تنزيلها من أعلى، تحت مبرّر تحقيق الفعالية والنجاعة والانسجام.
وكان خطاب العرش الذي أعلن فيه عاهل البلاد عن التعديل الحكومي قد ربط الأمر بانطلاق 
"مرحلة جديدة"، ستعرف إطلاق "جيل جديد من المشاريع". بهذا تضع المؤسسة الملكية حدا للتأويلات التي قدمت عند تنزيل مقتضيات دستور 2011، مؤكدة أنها ماضية في تعزيز صلاحياتها وسلطتها ملكية تنفيذية، فالإصلاح أو التغيير لا يرتبط مطلقا بالكرنفال الانتخابي، باعتباره لحظة سياسية بامتياز، بقدر ما يتعلق بإرادة المؤسسة الملكية ورغبتها، ما يعني، في نهاية المطاف، إفراغ اللحظة الانتخابية من أي رهانات أو وعود كبيرة.
وهذا ما كشفت عنه تجارب سابقة، فكل اللحظات التي عرفت انبثاق بريق أمل ارتبطت بورطة الدولة، حيث تلجأ إلى خيارات الضرورة، فتتبنى مؤقتا خطاب قوى الإصلاح والتغيير واختباراتها لتجاوز مرحلة الخطر، مثلما حصل مع عبد الرحمن اليوسفي وعبد الإله بنكيران. ولكن بمجرّد ما يستتب الأمر، وتظهر مؤشرات الخروج من النفق، حتى تعود الأمور إلى حالتها الأصلية، فداء العطب قديم.