المغرب بين دولتين

18 يونيو 2019
الصورة
توفّق البرلمان المغربي في الإفلات من الاستحالة اللغوية التي كانت تهدّد النقاش العام بشأن مواضيع ذات صلة بالهوية، والتعدّد اللغوي ومؤسسات الحكامة الثقافية، عندما صوّت بالإجماع، يوم 10 يونيو/ حزيران الجاري، على مشروعي قانونين تنظيميين، يتعلق الأول بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في الإدارة والحياة المهنية، والثاني بالمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية. ومن المتوقع أن يدخل النواب المغاربة، ومن ورائهم كل الطيف الثقافي والرمزي، في نقاش قوي بشأن مجلس المناصفة المنصوص عليه كذلك في الدستور، بالإضافة إلى مشروع القانون - الإطار المنظم للتربية والتكوين، لا سيما منه إشكالية لغات التدريس في المدارس والمعاهد المغربية. وبغض النظر عن التفاصيل، فإننا أمام بناء مفهوم دستوري متعدّد الدلالات:
أولا، نحن أمام تجربة دالة عن القوة الثقافية للدستور المغربي، وفيها، كما يؤمن الأنكلوساكسونيون، يكون الدستور أكبر من نص قانوني، أو حقوقي، تحكمه هواجس توزيع السلطات، والتفصيل فيها، على غرار الدستور الفرنسي، بل يعتبر مرتبطا، أيما ارتباط، بالنقاشات التي تدور في المجتمع، حتى أنه "يمكن اعتبار الدستور نصا أو متنا ثقافيا أيضا، بنيته كما مضامينه في صلب الهوية"، كما تم تعريفها في نقاشات 2011، سنة التصويت على الوثيقة الدستورية الجديدة. وهي الوثيقة التي تحدّد، بشكل كبير، تعريف الهوية، أكثر مما يعرفها التاريخ واللغة والدين وحدها. ولعل التحول الجوهري الحاصل، والذي يفسّر جزئياً شراسة النقاش حول القوانين الدستورية، سواء في أثناء وضعها، أو حين مناقشتها في لجان البرلمان، يكمن في أن المكونات السياسية والثقافية صارت تحكتم، في هويتها الثقافية وتعريفها وتحديدها، إلى النص الدستوري أكثر من التعريفات العامة، من خارج الدستور، والمتعالية عليه، لأسباب تاريخية وأخرى دينية. إنه دستور ثقافي يحدّد المواطنة الجديدة.
ثانيا، لا ينحصر السؤال هنا عند جزء من النخب التي ترعرعت مع ذلك في مشتل التفكير والنزعة الدستورانية الفرنسيين، في من يحكم (سيادة الشعب، سيادة نظام الأحزاب، المنهجية الديمقراطية في تعيين رئيس الحكومة فقط)، أو في كيفية الحكم (البرلمان بغرفتين، التوزيع 
الدستوري للسلطات.. إلخ)، بل يتسع إلى ما هو أبعد بالتنصيص على كيفية إعادة بناء هوية متجدّدة.
وهنا تمكن الاستعانة بمبدأ الوطنية الدستورية، كما يراها يورغن هابرماس، أي في أن الهوية المشتركة، كما تحرّكها الوطنية الواعية، تشجع على بروز المواطنة الديمقراطية. علاوة على أن الإحساس بالانتماء المشترك يسهل إقامة الديمقراطية، والتي تقوّي بدورها من التضامن بين المواطنين، عوض زجّهم في الطائفية والتناحر الهوياتي، والاستحالات الثقافية.
ولذلك، على عكس الدساتير القانونية البحتة، كالفرنسية، ليس الدستور الحالي في المغرب متروكا للخبراء الذين يحلّلون المحتويات المسطرية، ويفكّكون قلب السلطة فقط. إنه الدستور باعتباره مرجعية لانتماء كوني، يمكن الرجوع إليه في أي نقاش مجتمعي، وليس فقط في الجدال القانوني والقضائي والتنفيذي، وما إلى ذلك. وفي خضم التحول الجاري، يمكن تحرير الأسئلة القوية والعميقة من الارتهانات السياسية والحزبية اللصيقة بالصراع السياسي الظرفي، وفيه تصبح الديمقراطية، ودولة الحق والقانون وحقوق الإنسان، مطروحة قيماً، وليس مبادئ فقط. وقد عاش المغاربة بعضا من الصراع القوي في الآونة الأخيرة بشأن هذا الدستور الثقافي الذي يوسّع من مفهوم الديمقراطية، والمواطنة ومفاهيم هيكلية أخرى، في بناء الوعي السياسي للحاضر والمستقبل، ولكنه نقاشٌ يتحرّر من معادلة صعبة الحسم: دولة مدنية أو دولة دينية، ويجيب على السؤال بتركيبةٍ ديناميةٍ ومنفتحة على التفاعل مع التاريخ، تجعل من الوطنية الدستورية، وتفعيل بنود الدستور الثقافي، باعتباره نصا تاريخيا، إعلان ميلاد جديد للدولة وآلياتها وإشكالاتها.
الوطنية الدستورية لا تعني فقط الانتماء المبني على هوية ثقافية مشتركة لا غبار عليها، بل تعني أيضا الانتماء المبني كذلك على مبادئ دستورية، ذات منزع وطابع كونيين. لم تكن الإشكالات الثقافية حاضرة في النقاش الدستوري المغربي كما هي اليوم. ومع ذلك، لا يمكن أن نتسرّع في اعتبار الثقافة من مشتقات الدستور. وإن كان من المحقّق أن التأثير الذي سيحصل بدسترة النقاش حول الثقافة أو تأصيل الطابع الثقافي للدستور، سيكون جوهريا يشجّع على عدم السقوط في معادلةٍ بحدّين لا يلتقيان: دولة دينية أو مدنية مطلقة!