المغرب بين التنازل والاسترجاع
أضحت المقاربة الأمنية في المغرب مسيطرة بشكل كبير، وبادية للعيان بطريقة مستفزة، كما لو أن الأمر يتعلق بثأر، أو ديْن، يراد استخلاصه، أو رغبة جامحة في إعادة ترسيم لخطوط حمر، لم تعد قانية بما فيه الكفاية أمام السقوط المتوالي للمحرمات.
الأمر أقرب إلى من يرغب في استرجاع هيبة ضائعة، أو هالة مفقودة في سباق مع الوقت، لوقف تهاوي ما تبقى من أمجاد سلطوية، هي، في حقيقتها، غير قابلة للاسترجاع، وترميم صورة تضررت كثيراً لن تنفع معها عمليات شد الوجه المتكررة، لتتحول النعومة التي عمل النظام المغربي جاهداً على تسويقها لحسابه إلى قساوة متصلبة، وفق تكتيك "استعادة بعد تخل ثم استرجاع بعد تنازل".
جاء التنازل، في البداية، من أجل إنجاح انتقال سلس للملك، والتأسيس لمشروعية جديدة، ولو تطلب الأمر أن تكون على أنقاض ما سبق، لكنّ، من دون التفكير ملياً في تدبير مرحلة ما بعد الانتقال. وما أنّ نجح النظام في تثبيت ذاته، وحصوله على تعاطف واسع، حتى أضحى متعالياً، وأكثر رغبة في التحكم والهيمنة، لتتلوها حركة ٢٠ فبراير، وما صاحبها من تنازلات على مستوى الخطاب والإصلاحات، من دون المس بجوهر السلطة، وانتخابات سابقة لأوانها وقيادة حزب دعوي معارض (معتدل) لأوّل مرّة لائتلاف حكومي.
استطاع المغرب أن يكسر، بالخطوات السابقة، حالة الانتظار القاتلة التي دخلتها البلاد، ويبشر بأفق واعد، حتى أضحى المغرب في السياق الإقليمي نموذجاً للاقتداء، وتجربة جديرة بالإعجاب. لكن، ما أنّ هدأ الحراك وتوالت الانحسارات إقليمياً، أصبح الوضع يحيل إلى ما قبل حركة ٢٠ فبراير، ويعمل على استرجاع باليد اليسرى كل ما أعطي باليد اليمنى، وما محاولات فرض التأويل الرئاسي للدستور، وتوجيه الاتهام للآخرين من أجل تشتيت الأنظار، والاستفراد بشباب الحركة واحداً واحداً بملفات الحق العام، لخنق ما تبقى من أنفاس الحركة، إلا دليل على ذلك. لتأتي واقعة العفو عن مغتصب الأطفال على حين غرة، وبدون سابق إنذار، ليعتبرها المراقبون نموذجاً للتراجع والاعتراف بالخطأ، بعد محاولة الهروب إلى الأمام، والتسويغ والإنكار والقمع والصمت الثقيل، ثم تلتها، بعد ذلك مباشرة، واقعة محاكمة الصحفي علي أنوزلا، مفجر فضيحة العفو، بقانون الإرهاب!
إنّ التباهي بقدرة النظام اللامتناهية على التكيف والاستباق، وحتى التنازل ثم الاسترجاع والاستعادة، لم تعد دائماً موفقة، خصوصاً عندما تكون متبوعة بإجراءات متناقضة، ثم إنّ الشعور الذي يخالج المتتبع باعتبار النظام خبيراً في البقاء على قيد الحياة بدأ يفتر، خصوصا على مستوى الانفلات من الانقلابات في الزمان، غير أنّ محاولات حماية نفسه من القطائع الكبرى بدأت تتراجع. وهكذا، بدأت أسطورة الاستثناء تعبر عن محدوديتها، لأنّ امتياز التدارك والتصحيح الذاتي للنظام تحول إلى تكتيك مكشوفٍ، لا يتوخى سوى امتصاص الضغط، والعمل وفق قاعدة السياسة يوماً بيوم، وتهديم كل المشاريع المهددة لهيمنته.
إنّها ميكانيزمات متأصلة في بنية نظام يأبى التغيير، في وقت لم يعد يخضع الرأي العام لقواعد التكييف والتوجيه والتجييش نفسها، كما أن كل محاولات إلهائه، أو اختطافه، باءت بالفشل، نظراً لبروز سلطة مضادة في طريقها إلى التبلور، واكتشاف تدويل القضايا المزعجة للنظام، لتسويد صورته التي عمل على تلميعها منذ مدة ليست قصيرة، وتوظيف قضية حقوق الإنسان التي أضحت لها حساسية زائدة في الوقت الراهن، خصوصا في المناطق الجنوبية.
العقل الأمني نشيط في استرجاع ما ضاع مع حضور الربيع العربي، والحفاظ على الاستقرار بأيّ ثمن وتدبير العلاقة مع الشارع أمنياً، على الرغم من النتائج العكسية وانعدام البديل، وإنّ تغليب المقاربة الأمنية وشعورها المبالغ فيه عن كونها المسؤولة، والوصية عن تعريفها للمصلحة الوطنية وتحديدها، هو الذي قد يجعل من الأجهزة الأمنية في المغرب المصدر الحقيقي للسلطات!