المغتربات...حياة عائلية شائكة

19 فبراير 2018
الصورة
هواجس الهوية تبرز بقوة عند النساء العربيات المغتربات(العربي الجديد)
+ الخط -

لندن - كاتيا يوسف
مدريد - ميسون شقير


في بريطانيا، على سبيل المثال، حيث ينتشر التمسك بتقاليد البلاد الأصلية بحذافيرها، تتحدث بعض الفتيات لـ"العربي الجديد"، حول انعكاسات وضرر على الجيل الناشئ في المملكة المتحدة في بيئة ونمط حياة يختلفان عما عاشه آباؤهم، وفي السياق تنتشر قضية حصر الزيجة بشاب عربي من بلدهن فقط، كأولوية لا يأبه طرفاها بالأثمان التي يدفعها الأبناء. فكثيرات ممن يرضخن لأوامر الأهل، إما لربط الأمر بالالتزام الديني، الذي لا يحصر الزواج بابن البلد أو المنطقة، أو لاحترام كبير للوالدين.

ينجم عن ذلك أن كثيرات "فاتهن القطار"، بحسب وصفهن، بانتظار العريس الذي يتماشى والشروط المطلوبة أسريا. وأخريات يعشن "قصص حب في الخفاء" ويؤجلن الزواج خوفاً من انكشاف أمرهنّ ومواجهة غضب أحب الناس إلى قلوبهن، الأم والأب، اللذين قد تؤدي قراراتهما، عن غير قصد أحياناً، إلى تدمير حياة فلذات أكبادهن، وفي اعتقادهم أنّ هذا هو المصير أو المستقبل الأفضل لبناتهنّ.


طالبة جامعية في العشرينيات من عمرها، تحت اسم مستعار "هَنا"، تقول "العربي الجديد"، في لندن: "يرفض أهلي حديثي إلى شاب عربي ومن ديني، فقط لأنه ببشرة داكنة".
الشاب الذي تتحدث عنه "هنا" طالب جامعي ومن دينها نفسه وتعرفت إليه حين عملا في منظمة خيرية تطوعية منذ مدة. وتضيف هنا: "للأسف يحمل أهلي موقفا عنصريا باعتبار أصحاب البشرة الداكنة أقل شأنا، رغم أنه عربي ومن ديني. وبالرغم من أنني في بداية علاقتي بالشاب وإعجابي به كبير، لكنني سأضطر لاحقا، حين أتأكد من مشاعري، لمواجهة أهلي بالأمر".

وفيما "هنا" تستغرب وترفض موقف الأهل، المبني على "عنصرية"، كما تصفه، تبدو هنادي (اسم مستعار)، الشابة الثلاثينية الجميلة، أقل تمرّداً وأكثر خنوعاً للتقاليد، وتقول لـ"العربي الجديد": "أنفّذ مشيئة والدي، لكنّي قليلة الحظ". وتضيف هنادي: "خرجت للتو من حالة عصبية ونفسية مؤلمة، بعد أن أبدى أهل العريس المفترض امتعاضهم حين قابلوني".

الأمر الذي جرى ترتيبه وبعلم الأهل جعل هنادي على تواصل هاتفي مع الشاب من بلدها، دون أن تلتقيه حتى. وتروي هنادي أنه "اتفقت العائلتان على موعد مقابلة". وعليه أرسلت أسرتها تأشيرة "دعوة زيارة" للعريس المفترض وأهله إلى بريطانيا.

تعترف هنادي، كأي عروس كانت تشعر بالسعادة، بأنها "بعد عام من الحديث الهاتفي اليومي حملت بعض المشاعر لهذا الشاب"، بيد أن أملها خاب حين اتصل بها بعد اللقاء الأول في منزل عائلتها ليخبرها بأن والدته "أخبرتني بأنها تعتقد بأننا لا نصلح لبعضنا البعض ويصعب التوفيق والانسجام بين العائلتين". وتضيف: "رجل في الأربعين من العمر، لا موقف لديه ويخضع لآراء أمّه يتصل بي ويقول أمي ترى وتعتقد"، وتتابع: "سألته عن موقفه هو، فانهار بالبكاء وأنهى الاتصال".
لا تلقي هنادي باللوم على أهلها في مسألة زواجها، وتعتبر أنّها فقط قليلة حظ، محاولة تجاهل النطاق الضيق الذي حددّه لها أهلها وهي مقتنعة بأنّه قدرها.

قصص كثيرة تعيشها شابات عربيات في المملكة المتحدة، وغيرها إذا ما اتجهنا نحو الدول الأوروبية الأخرى. فانهيار ودموع وآلام محطمة في السعي لتحقيق رغبة بعض الأهل باعتبار "الزوج الأفضل هو من تختاره الأسرة من البلد" لم تمنع البعض من الاستمرار في فرض أمر واقع أدى في بعض الأحيان إلى أن نصبح أمام محاكم أوروبية، من الدنمارك إلى ألمانيا وفرنسا، تناقش واقعا مأساويا قد يفضي في بعض الحالات إلى ما يسمى "جرائم شرف" كمخرج وحل للفشل الذريع الذي يؤدي إلى عدم توافق طرفي الشراكة.


اختلاف قانوني وثقافي
في إسبانيا، حيث تعيش جالية عربية كبيرة منذ عقود، بحثا عن فرص عمل وتحسين أوضاعها الاقتصادية، ولجوء قبل سنوات، تمثل الاختلافات الثقافية ونظرة المجتمع وتقاليده والقوانين أهم تحديات مجتمع الهجرة بعد الاستقرار.

وفي تجربة جميلة المرزوقي ما يختزل نتائج هذه الاختلافات، رغم أن الخيار في الزواج قد يكون ذاتيا. فهي خريجة معهد تصميم في مدريد وتعمل في شركة زارا للألبسة وتعرفت على رجل مغربي لديه متجر للمواد الغذائية واللحوم الحلال في مدريد. وتقول المرزوقي: "في البداية وعدني بأنه بعد الزواج سيساعدني على العمل. لكن ذهبت السنة الأولى وهو يتحجج بأنه لن يتركني أعمل وأنا حامل، ثم لن نترك طفلتنا في الروضة لأجل العمل، ولم يساعدني في واجبات المنزل أبدا". وتضيف المرزوقي: "سرعان ما بدأ يصرخ حين نتناقش وبأنه رجل البيت ولن يسمح لي بأن أكون كالإسبانيات. وهو جعلني أشعر بغياب استقلاليتي تماما، فهو الذي يعمل ويصرف. شعرت بأنه استمرار لتحكم أبي وأخي بي وكأنني في المغرب". لم تستطع جميلة المرزوقي الاستمرار بهذه الزيجة على أسس قانونية قائمة في البلد "دون أن يعيّرني المجتمع بأني مطلقة"، بحسب وصفها.

تختم المرزوقي تجربتها بالقول: "حصلت على فرصة عمل مع (زارا)، الشركة الإسبانية العريقة، وحينها أخذت ابنتي وطالبته بما يترتب عليه من مساهمة مالية في تربيتها، كما أن المحكمة حكمت لي أيضا بالبقاء في الشقة نفسها".

وبالنسبة لمليكة بومدين، السيدة المغربية العاملة في بلدية مدريد منذ زمن طويل، فإن "المشكلة ليست مرتبطة بالتعاليم الإسلامية، التي لا تمنع عن المرأة حقها بالعمل والعيش الكريم، ولا في غياب ثقتها واستقلاليتها"، بل هي، في رأي بومدين، في "مسعى بعض الرجال العرب لتحويل كل شيء لمصلحتهم. وللأسف يحضر البعض عائلته إلى أوروبا وفي الوقت نفسه يعيش انغلاقا تاما بحجة الخوف من انفتاح المجتمعات الأوروبية". ولا يغيب عن هذه الموظفة العارفة بشؤون المهاجرين أن "العمالة الفقيرة التي وفدت منذ زمن فاقدة للتعليم الجيد، ويعيشون الخوف مما يجهلونه في هذه المجتمعات، وفي الوقت نفسه يعيشون ازدواجية: فمن ناحية يريد هذا البعض العيش في أوروبا والاستفادة من نظام التكافل الاجتماعي والتأمين الصحي وهم في الوقت نفسه مرعوبون وغير راضين ويتشددون مع بناتهم ونسائهم، بحيث يؤدي ذلك إلى نشر الحقد بين الجيل الشاب على مجتمع الاستقبال كونه بنظرهم مسؤول عن المشاكل الأسرية".

وبالنسبة لخريجة الأدب الإنكليزي من جامعة دمشق بسمة دالي، العاملة في شركة إسبانية كبيرة للتأمين، فإن المرأة العربية في المغترب "تعيش حالة مخاض في الغالب، بين العادات والتقاليد التي نشأت عليها ضمن بيئتها وبين الحريات والانفتاح الذي تشهده في أوروبا. هناك صراع حضاري قائم في السنوات الأولى من استقرارها. وفي بعض الأحيان العائلة تلعب دورا إيجابيا في دعم المرأة الطليقة لتندمج ضمن هذا المجتمع".

وترى دالي ضرورة أن "تحتفظ بقيمها وأخلاقها والعادات الحسنة التي نشأت عليها، فنحن بالنهاية مرآة لمجتمعنا في الخارج، وأن تكون مرنة في التغيير بشكل إيجابي، والأهم أن تتسم بالوعي لترى وتستخلص إيجابيات المجتمع الجديد من سلبياته. لا أنكر أن أسرتي عانت من بعض الفروقات بين حضارتنا وهذه الحضارة، ولكن النقاش ومرونة أهلي المتعلمين والمؤمنين بي وبحقي بالحياة، بالإضافة الى إصراري، كل ذلك جعلنا نتفادى تلك الإشكاليات الصغيرة. أنا أدين لهم ببناء شخصيتي هذه التي تعرف ما تريد، والتي تحب التعلم، والعمل، والاستقلالية، مثلما تحب بناء أسرة صحيحة في هذه البلاد الجميلة".

دلالات

المساهمون