المعلمون والدولة وهاجس الأخونة .. في الأردن

05 اغسطس 2020
الصورة

بفعل قرارات المدعي العام بإغلاق نقابة المعلمين الأردنيين عامين، واعتقال نائب النقيب، ناصر النواصرة (توفي النقيب أحمد الحجايا في حادث سير في أغسطس/ آب 2019)، وزملائه في مجلس النقابة، استعاد الشارع الأردني تجمعاتٍ ليلية، لا يُمكن التقليل من شأنها وقيمتها، ويجب الالتفات إلى الرسائل التي يبثها حراك الشارع الراهن في هذه الاحتجاجات، ولا يمكن التعويل على الملل والتعب من طرف المعلمين، فقد أنجز حراكهم الذي انطلق عام 2010 من اجتماع صغير في نادي معلمي عمّان مطلب المعلم التاريخي بالإقرار في فبراير/ شباط 2011 بجواز تأسيس نقابة معلمين إبّان حكومة معروف البخيت الثانية، فيما كانت النخبة السياسية قبل ذلك ترفض المطلب النقابي، وحينها أطاح المعلمون حكومة سمير الرفاعي وجاءت حكومة البخيت الثانية.

في الراهن الأردني، ما يرشح من معلومات عن المطبخ الحكومي، أنها ماضية في إنهاء ملف النقابة قبيل نهاية شهر أغسطس/ آب الحالي، وأن النقابة حادت عن الطريق الذي أتت من أجله، وأن جماعة سياسية "اختطفتها"، والمقصود الإخوان المسلمون. في المقابل، حدّد المعلمون أهدافهم بإطلاق سراح أعضاء مجلس النقابة، وتطبيق ما تمّ الاتفاق عليه مع حكومة عمر الرزاز قبل عام، وبخاصة في موضوع العلاوة المالية، التي منحت لهم بموجب اتفاقهم مع الحكومة، ثم أوقفت العلاوات بموجب أزمة كورونا، ليس على رواتب المعلمين وحدهم بل على رواتب كل موظفي الدولة، ما أوقع اللوم عليهم. وفي هذا الجانب، وكي لا يؤاخذ المعلمون على مطلبهم المالي الذي يشابههم فيه كل موظفي القطاع العام، جعلهم يعيدون ترتيب مطالبهم على أنها لا تمسّ الجانب المالي وحسب، بل الحريات العامة ومناهج التعليم ومحاربة الفساد.

تصرُّ الحكومة الأردنية على أنها لا تخاصم المعلمين، بل ترفض مصائر النقابة التي آلت إليها

يبدو الموقف داخل الحكومة تجاه قضية نقابة المعلمين حاسما، وهي تصرُّ على أنها لا تخاصم المعلمين، بل ترفض مصائر النقابة التي آلت إليها، وأن الهدف هو الجانب المهني في عمل النقابة وتطبيق القانون، ولذلك شكلت لجنة لإدارة شأن النقابة. وشدد خطاب وزارة التربية والتعليم على أنّ النقابة ومجلسها أنكرا الإنجازات الحكومية، وأن المطلوب من النقابة الاشتغال بالأمور التعليمية وترك السياسة.

تعود السردية التاريخية لنقابة المعلمين الأردنيين إلى خمسينيات القرن العشرين، حيث بدأوا، وتحديداً بعد نكبة فلسطين في العام 1948، وبفعل تأثير قدوم معلمين من الضفة الغربية بأفكار يسارية، بالإضافة إلى تأثيرات ثورة يوليو/ تموز 1952 في مصر، بالمطالبة بنقابة معلمين، وهو ما نجحوا به في العام 1954 بإعلان تأسيس النقابة واختيار عبد خلف داودية (1920 - 2015)، نقيباً لهم، ولكن تصاعد الفكر اليساري في الأردن قاد إلى إغلاق النقابة لاحقاً، خصوصا بعد إعلانها الدعوة إلى إضراب عام في 12/10/1954، ما أدّى إلى استقالة حكومة توفيق أبو الهدى (1894 - 1956)، العاشرة آنذاك. وأُغلقت النقابة، وزجّ معلمون كثيرون في سجني الجفر (شرق الزرقاء)، والمحطة في عمّان. وكانت الصفقة التي مُنيت بها جماعة الإخوان المسلمين آنذاك، مقابل تأييدهم إغلاق النقابة وسجن رموزها من "العلمانيين والملاحدة" وأعداء الحكم من وجهة نظر الإخوان، أن أُطلقت يدهم في وزارة التربية والتعليم، وسيطروا عليها وعلى مناهجها وعلى بعثاتها وقياداتها الإدارية.

لاحقاً، ناوأت الحكومات الأردنية تأسيس نقابة للمعلمين، وتمّ طي الملف حتى العام 2010، حين أعاد المعلمون مطلبهم النقابي في عهد حكومة سمير الرفاعي، وقرّروا النزول إلى الشارع والمضي في مسيرات وإضرابات مهنية للدفاع عن حق استعادة النقابة. وعلى الموقع الإلكتروني الرسمي للنقابة، هناك تأكيد وضع السياق التي ولدت فيه النقابة على أنه تزامن مع انطلاق شرارة الربيع العربي وثورة تونس التي وفرت بيئة خصبة لتحقيق مطلب النقابة في العام 2011، وجاء على موقع النقابة ما يلي:

"انطلقت الشرارة من سيدي بوزيد، وفر الرئيس التونسي، ثم بدأت ثورة مصر، وهذه الأحداث كلها جعلت الشارع الأردني، من شماله إلى جنوبه، ينهض متأثراً بما يدور من الأحداث الغاية في التسارع من حوله. قام النظام بخطوة استباقية، وذلك من خلال الطلب من دولة سمير الرفاعي تقديم استقالة حكومته بعد أقل من شهرين من عمرها، وتكليف الدكتور معروف البخيت (...). وكانت المفاجأة التالية، رئيس الوزراء المكلف دولة الدكتور معروف البخيت يضمّن في بيانه المقدم لمجلس النواب لنيل الثقة على أساسه "أنه مع إنشاء نقابة للمعلمين وتحسين ظروف التعليم". أي أن ما كان (محظوراً) على النواب والسلطة التشريعية قوله والمطالبة به أصبح في لحظة (مباحاً) وعلى لسان رأس السلطة التنفيذية!".

جمهور المعلمين يرفضون وصمة "أخونة" النقابة، ويصرّون على مطالب المعلمين المعيشية المالية، وإطلاق حرية المعتقلين

هذا ما يرد على الصفحة الرسمية لنقابة المعلمين، وهو تضمين لمسار النقابة بجعله جزءا من الربيع العربي، وربما لا يوافق عليه كثيرون، ولكن ما يجب قوله إن رؤية رئيس الحكومة معروف البخيت، آنذاك، كانت تصب في صالح تسكين الجبهة الداخلية ومواجهة دفق الربيع العربي الهائل، ومباغتة جماعة الإخوان المسلمين وسحب البساط من تحت أقدامهم، وهو ما نجحت به حكومة البخيت فعلياً، والتي كانت تعي أن "الإخوان" تبنوا حراك المعلمين لاحقاً، وليس من بدايته، لكنهم قرّروا محاصرته لاحقا، بثقلهم التصويتي، بإقصاء رموز تقدمية قومية فيه، أو خنقها داخل مجلس النقابة، وهو ما حصل مع انتخاب أول مجلس للنقابة، بعد التأسيس الثاني، حيث انتخب المعلم القومي مصطفى الرواشدة لمنصب النقيب، لكن المجلس كان قد تشكل وفق القوة التصويتية من عناصر إخوانية أو ذات خلفية فكرية قريبة منهم، وهو ما جعل النقابة لاحقا واجهة إخوانية، وسيظل الأمر كذلك ما بقيت القوة التصويتية لهم. وهو أمر تروّجه الدوائر المغلقة بأن حراك المعلمين اليوم هو نتيجة أزمة جماعة الإخوان المسلمين مع الدولة التي اتخذت قراراتٍ قوية تجاههم، فيما تدافع حناجر الجماعة وأقلامها بكثافة ضد هذه الرواية، وتتهم كل من يخالفهم بالتسحيج وممالأة الحكومة. وعلى أرض الواقع، كانت على الأردن ضغوط كبيرة قبل سنوات لتصنيف الجماعة إرهابية، وهذا ما لم يتم، بالنظر إلى أن تاريخ الإخوان المسلمين بالنسبة للدولة هو أقرب إلى كونهم حلفاء، قبل أن تتغير الجماعة، ويبرز انقسامها الفكري بين صقور وحمائم، لكن حكومة عبد الله النسور كانت قد أخذت على عاتقها تفكيك الجماعة بالقانون، حين أثارت مسألة ترخيص الجماعة، وأوجدت لاحقا جماعتين.

وفي مواجهة اتهام حراك المعلمين بأنه نتيجة تكتيك إخواني وحراك تنظيمي موجّه من الجماعة، فإن كتاب الإخوان المسلمين والمتأثرين بهم، ومن هم في خندقهم يرفضون هذا التوصيف، أو تلك الرواية، كما أن جمهور المعلمين يرفضون وصمة "أخونة" النقابة، ويصرّون على مطالب المعلمين المعيشية المالية، وإطلاق حرية المعتقلين.

يجب عدم ترك المعلمين في الاعتقال وترك الأمر لسلطة القضاء إذا كان هناك فساد مالي في النقابة، أو تجاوز على القانون

وفي الواقع، لدى المعلم الأردني مطالب معيشية مهمة، لا يمكن إغفالها، وهو يجسّد قصة بناء الدولة، وما أُخذ على نائب النقيب ناصر النواصرة بمقولته "نحن الدولة"، إشارة إلى حضور المعلم وقوة نقابته، وهي كلمة ألقت بصاحبها اليوم في الاعتقال. ويبدو أن معنى الكلمة لقي تأويلاً آخر، بعيد عن حسن النيات والاعتداد بمؤسسة التربية، وكان يمكن حل الأمور بمزيد من الحوار ولغة العقل، لكن النواصرة كان قد أكثر من التهديد والوعد والوعيد، وتجاوز مشورة شيوخ التنظيم بوجوب التهدئة مع الحكومة.

لا يمكن تبرئة مجلس نقابة المعلمين من الأخطاء، ولا يمكن القول إن البلاغة الخطابية التي مارسها بعض المعلمين، وما فيها من سُباب وفظاظة وكذب على رجال الأمن، وخصوصا القول إن اعتقال نائب النقيب تم بشكل عنيف ومهين، وهو ما ثبت عكسه بمشاهد مصورة، وهي لغة غير مقبولة أن تصدر من معلمين. وكل ذلك التوتر بين الدولة والنقابة لا يصبّ في صالح أحد، وإنما يزيد الطين بلة، ويساهم بمزيد من التعقيد في ظروفٍ ليست مثالية للأردن. وفي المقابل، لا يمكن أخذ المعلمين كلهم بالذنب، فهناك آلاف يجهدون ويمدون يد العطاء للعلم، ويلتزمون بالقانون، وهم في حاجة لكل دعم معيشي ومهني، ولا يجوز قدحهم أو التشكيك بوطنيتهم.

الراهن اليوم يجب أن يكون فيه للعقل الأردني الجمعي دور أكثر رجاحة، وهذا العقل الذي يساهم دوما بإخراج البلد من أزماتها قادر على التهدئة، وهو ما نجحت به الدولة تاريخيا، لكن البقاء في حالة التوتر الراهنة لا يسعف بحل سريع، ذلك أن بقاء الغضب وتضييق الخناق على مجلس النقابة وبقاء المعلمين في السجن أمر لا يؤيده أحد، والكل مجمعٌ على احترام المعلم.

بقاء الغضب وتضييق الخناق على مجلس النقابة وبقاء المعلمين في السجن أمر لا يؤيده أحد، والكل مجمعٌ على احترام المعلم

أما تعميق النظر إلى قضية العلاقة بين الإخوان المسلمين ونقابة المعلمين، فيجب تدبر هذا الأمر بعناية، إذ يرى المقرّبون من شيوخ "الإخوان" في التنظيم أن هناك خطابا مختلفا داخل الجماعة عن خطاب التيار الإخواني داخل النقابة وشيوخ التنظيم الذين كانوا يرون أن نائب نقيب المعلمين أراد أردنة التنظيم، وأنه راديكالي الخطاب، وهذا أمر يعكسه البون الكبير بين خطاب إخوان النقابة وإخوان التنظيم، فأهل التنظيم أكثر دربة سياسية وقدرة على الخروج من الأزمات، وإخوان النقابة يبدون أكثر راديكالية، ومتكئون على مثلت النقابة والعشيرة والجماعة. لهذا، فإن الاحتكام لمقولة إن حراك نقابة يؤثر فيه التنظيم الإخواني مباشرة تخمين غير محسوم كلياًّ، بقدر ما أنه يشق طريق الانقسام مجدّداً داخل الجماعة وبنيتها. وهذا كله لا ينفصل عن تململ عدد معلمين كثيرين من المصير الذي آلت إليه النقابة في العلاقة مع الدولة، مع الخوف من ضياع المكاسب التي تحققت سابقاً. 

لهذا كله، ولأجل مهنة التعليم وإنقاذ المشهد التربوي الأردني، يجب التخلي عن الخطاب المتشدد، ويجب تكريس الفصل بين جماعة الإخوان المسلمين بوصفهم أهل سياسة، والمعلمين بوصفهم أهل معرفة وتعليم. صحيحٌ أن التيار المتشدّد من الإخوان في النقابة يضغط اليوم على الحكومة عبر سلطة الحشود، وهو أمر يؤيده ضمنياً شيوخ الجماعة، ويرمون قميص النقابة ومجلسها في الشارع المحتج كي يستعيدوا مكاسبهم، إلا أنه يجب عدم نسيان موقف الإخوان المسلمين المؤيد لإغلاق نقابة المعلمين في العام 1954 حيث باركوه. ويجب عدم ترك المعلمين في الاعتقال وترك الأمر لسلطة القضاء إذا كان هناك فساد مالي في النقابة، أو تجاوز على القانون، وإذا ما ترك الأمر على ما هو عليه، حيث التصعيد من طرف تيار غالب على النقابة، فإن الحراك الليلي سوف يزداد في كل محافظات الأردن، وستكون كلفة العودة عنه أكبر مما هي عليه اليوم. لذلك يجب حلّ الأزمة الراهنة في أسرع وقت.