المعركة بين داعش والنظام السوري
مقاتل من الجيش السوري الحر قرب عين البيضا (ديسمبر/2011/أ.ف.ب)
هل انتهى شهر عسل النظام وداعش، وبدأ زمن المعارك والتطاحن العسكري والسياسي بينهما؟ تطرح جملة من التطورات التي وقعت، أخيراً، هذا السؤال علينا، وتتطلب تفسيرات تشرح ما قد يقع بينهما، بعد اليوم، من اقتتال طالما قيل إن نشوبه محال، بالنظر إلى تحالفهما الوثيق وتعاونهما الأكيد، ودور السلطة في مساندة التنظيم المتشدد، وتمكينه من احتلال مناطق عديدة، كان الجيش الحر قد حررها بغالي التضحيات، ودوره هو في المقابل في حمايتها والقتال إلى جانبها؟
أغلب الظن أن الحليفين سيبقيان متعاونين ضد الجيش الحر، حيث تكون لديه قوة تستطيع مواجهتهما، لكنهما سيدخلان، في المناطق الأخرى، إلى زمن اقتتال مفتوح وتنافس عدائي سيزيح فيه أحد الطرفين الطرف الآخر، بما يعنيه ذلك من انتهاء تفاهم علني ومضمر، دام عاماً كاملاً بينهما، انتهى بتراجع خطير في دور الجيش الحر ووجوده داخل الوضع السوري الراهن، بعد أن كان، إلى الأمس القريب، عدواً مشتركاً لهما، يصعب على أي منهما كسر شوكته بمفرده، من دون قتال مشترك ضده، ومبادرة كل منهما إلى تسهيل عمل الآخر.
واليوم، وبعدما تقلصت المنطقة التي يسيطر الجيش الحر عليها من 65% إلى 10% من الأرض السورية، تتكامل شروط انفجار الصراع بينهما، لأسباب منها أنهما يمثلان دولتين، تريد كل واحدة منهما فرض سيادتها المنفردة في الإطار السوري، وأن استحالة هذا المقصد تحتم نشوب الصراع، فالقتال عليه، وحسم هوية الجانب الذي سيستأثر به، بالقضاء على منافسه الذي صار عدواً لا سبيل إلى التعايش معه، يجعل تراجع الجيش الحر المواجهة بينهما حتمية ومباشرة، أكثر فأكثر، ومن المحال حسمها بغير القوة، نظراً للطابع الشمولي والاستبعادي لنظاميهما المتصارعين.
سنشهد، من الآن فصاعداً، محاولات سيقوم بها النظام لتقليص قوة داعش وانتشارها، وفي المقابل، سنرى محاولات معاكسة لاحتلال مناطق يمسك بها النظام، وينشر جيشه فيها. ولعل ما وقع في حقل الشاعر والفرقة 17 قرب الرقة يكون مؤشراً، واضح المعاني، إلى طبيعة الحقبة المقبلة، التي يعني انفجار صراع حليفي الأمس فيها أنهما صارا يعتقدان، كلاهما، أن تراجع الجيش الحر وخروجه المتزايد من المعركة بلغ حداً يسمح لهما بتخطيه، كقوة ميدانية ضاربة، تستطيع إحداث تبديل في علاقات القوة عامة، وعلاقات القوة بينهما بصورة خاصة، وأن التناقض الرئيس بدأ يصير تناقضهما الذي يجب أن يحل بالقوة، ما دام نمط حله هو الذي سيقرر مستقبل سورية، وهوية النظام المرشح لوضع يده عليها.
تنحدر سورية نحو صراع من نمطٍ مختلف، حده الأول دولة النظام والثاني دولة داعش، ستتلاشى فيه أكثر فأكثر قوة، وبالتالي مكانة تمثيلات الثورة العسكرية والسياسية من جيش حر وائتلاف، وستتبدل بتلاشيها هوية الحقل السياسي والعسكري السوري وطبيعته. هذا التطور سيضيف مفردات جديدة، شديدة القسوة والهمجية إلى علاقات القوى، وقد يأخذ بلادنا إلى حال لا مكان فيه لمعظم شعبها. والمشكلة أن تمثيلات الثورة من جيش حر وائتلاف لم تنتبه بعد إلى حقيقة ما يجري، ولم تخصه بما يستحق من أهمية ومواقف عملية فاعلة، وإن قياداتها تواصل صراعاتها على السلطة والنفوذ، متجاهلة أنه لن تقوم لها قائمة إطلاقاً، انتصر النظام أم داعش.