المطبخ القطري: من بين الجدران إلى الهواء الطلق

المطبخ القطري: من بين الجدران إلى الهواء الطلق

31 مارس 2014
الصورة
+ الخط -

انتشر بيع الأكلات الشعبية القطرية أخيراً حتى صارت مهنة لها أصحابها يوظّفون طباخين وعمالاً، لتلبية طلبات الأعراس والمناسبات السعيدة وفي المهرجانات الشعبية التي ازدهرت في السنوات القليلة الأخيرة، وصارت لها مواعيدها شبه الثابتة، مثل مهرجان "حلال هل قطر" مهرجانات الصيد والمراكب واحتفالات القرنقعوه...

بدأت الطبخات الشعبية تدخل المهرجانات في قطر بتواضع، وكانت تتوه في زحمة المعروضات الأخرى من منتوجات السلال والخزف والحرفيات والحنّة وغيرها... ثم ما لبثت أن أفردت لها مساحة كبيرة بسبب الطلب عليها من أهل البلاد ومن الزوّار والسائحين، فإذا كان ابن البلد يمكنه أن يأكل هذه الوجبات في منزله فإنّ الزائر أو المقيم لن يجدها بهذه السهولة، تحديداً مع ندرة المطاعم الشعبية القطرية. لذا تعتبر المهرجانات المكان الأفضل ليختبر السائح المطبخ القطري، ويتعرف الى جانب من الثقافة الغذائية لهذا البلد.

تقصد "ايستر"، الشابة الاسبانية المقيمة في قطر، المهرجانات الشعبية في الدوحة لعدد من الأسباب، بينها تذوّق الطعام القطري، حتى أنها تحفظ أسماءها، ورغم انها تخطئ لفظ بعضها إلا أنّ السيدات القطريات المتجمّعات حولها يفرحن بإقبالها على مأكولاتهن. تقول "ايستر" إنها تحبّ تعلّم طريقة طهو بعض الأطعمة لأنها "لذيذة بالفعل". تؤكد سيدة قطرية لها أنه من السهل تعلّمها، وتشير الى الفتاة الاثيوبية التي تسكب للزبائن: "ايمابيت تعلمت كلّش بشهرين".

"ايمابيت" فتاة اثيوبية قدمت إلى الدوحة منذ 6 سنوات، وتعلّمت الطبخ القطري على يد سيدة قطرية، وصارت الذراع اليمنى لمعلّمتها، تشارك في التسوق والطهو وأيضاً البيع، حيث تتولى التعامل مع الزبائن وسكب الطعام وايضاً تبادل أطراف الحديث معهم. نسألها إن كان هذا العمل يرهقها، فتنفي وتؤكد أنّها محظوظة لأنها تحظى بالاختلاط بالناس والمشاركة في المهرجانات، بل وتنال "البقشيش" أيضاً.

وتقول "إيمابيت" إن هذا الطعام لا يشبه كثيراً الأكل في بلدها اثيوبيا، لأنه غنيّ باللحوم والأسماك والخضروات المتنوعة، وهذا ما تفتقر إليه في موطنها، ولكن تعلّم طهوه ليس صعباً.

تطهو حصّة (سيدة قطرية) بنفسها لأنّه أمر يتطلّب الدقّة، ولأن الاخلال بتوازن كميات البهار قد يفسد كلّ شيء وفق قولها. تحدّثنا عن أبرز الطبخات وتسمياتها، مشيرة الى أن اسم كل طبخة يشبهها: "المضروبة تتطلب طهو الدجاج بالأرز وبعض الخضر ثم يضرب الخليط بالطنجرة جيداً بواسطة ملعقة كبيرة، أما الهريس فيشبه المضروبة في اعتماده على هرس الدجاج ولكن بالقمح الناضج هذه المرة وليس الأرز"، أما المجبوس أو المكبوس، فتفضّله حصة مع السمك، رغم انه يقدّم مع الدجاج أو اللحم أيضاً، وهي تختار أنواعاً معينة من الأرز وتزينها بالسمك المشوي المتبّل بالبهارات القوية والليمون.

لا يكتمل مهرجان من دون التحلية. وليس على محبّي الحلوى أن يقلقوا، لأنّ اللقيمات والهرش والفطائر المحلاة جاهزة وتُحضّر أمامهم غالباً.

تقلي فاطمة، التي تتحفظ على الحديث معنا، اللقيمات أمام جمهور المهرجان، وتقدّمها لهم بعد تحليتها طازجةً شهيّة. اللقيمات أو لقمة القاضي كما تُعرف في مطابخ أخرى، حلوى بسيطة من العجين فقط، تُقطع إلى كرات صغيرة ومتساوية وتُقلى في الزيت، ثم تصفّى وتُرشّ "بالقطر" أو العسل.

عما إذا كانت تجارة مربحة؟ تقول حصّة إنها جيّدة، وقد تحسنت في الفترة الأخيرة، بسبب ازدياد الطلب وازدياد المهرجانات. يذكر أنّ ثمن أي طبق من الأصناف المذكورة لا يتخطى الخمسة دولارات، ولكن نسبة الى بساطة المكونات وعدم كلفتها فإنّ هذا السعر يعتبر عادلاً.

تأثيرات المقيمين في قطر، كما تأثيرات من عبروا عبر الزمن على أراضيها، واضحة في الأكل القطري، فإذا كان المطبخ القطري يواصل تحفّظه وخوفه من الذوبان في المطابخ المعولمة، الا انه لم يعد قادراً على البقاء خلف الجدران المنزلية. صار يخرج الى العلن وينفتح على الجميع ويتودّد الى الجميع، فنجد في الاحتفالات العامة، وجبات الكشري والبيتزا الصغيرة والسمبوسة والبرياني في زاوية مجاورة لأطباق الهريس والمجبوس والمضروبة...

الأكلات الشعبية في الأسواق والمهرجانات لم تعد مجرد ضيف عابر أو زينة، بل صارت جزءاً من الهوية الشعبية القطرية التي توازن بين الأصالة من جهة والتأقلم مع ما يناسبها ويستهويها في المطابخ الجارة والشقيقة من جهة ثانية.

المساهمون