المضحك المبكي (2)

21 نوفمبر 2019
+ الخط -
في مطلع جلسة "الإمتاع والمؤانسة" المنعقدة بمنزل "أبو ماهر" بمدينة إسطنبول، قال الأستاذ كمال إن مبدأ "المضحك المبكي" هو مبدأ كاريكاتيري رفيع المستوى، يتسع لكل الرسوم الكاريكاتيرية والحكايات النثرية الجميلة التي تُضحك الإنسان، وتُخَلِّفُ في نفسه الكثيرَ من الأسى.

تدخل أبو ماهر قائلاً: يا سيدي، أنا بشوف إنُّه مبدأْ المضحكْ المبكي قريبْ في المعنى من قول المتنبي (ولكنه ضحكٌ كالبُكَا).

قال كمال: نعم، لكنْ أنا محسوبكْ، في العادة بتْجَنَّبْ آخُدْ أمثلة من شعرْ المتنبي لأني ما برتاحْ لُه.


عندما رأى كمال الدهشة ترتسم على وجوه الحاضرين سارع لتوضيح وجهة نظره، فقال:
- أنا شايفْ إنكم استغربتوا كلامي، لأنه الشي المستقرّْ في أذهاننا نحن العربْ إنه المتنبي شاعرْ عظيمْ، ودائماً النقادْ والبشرْ العاديين بيضربوا فيه المتلْ، وبيرددوا أشعاره اللي بيحفظوها عن ظهرْ قلبْ. وبالمناسبة، لما الناسْ في بلادنا بيشوفوا شابْ زغيرْ عم يحاولْ يكتبْ شعرْ، وعَمْ يْتْشَكَّلْ عندُه نوعْ من الاعتدادْ بالنفسْ، بيبلشوا يتمسخروا عليه وبيقولوا له: لا تشوفْ حالك كتير.. أي شو إنته صرتْ المتنبي؟! طبعاً أنا مو مفكرْ أقَلِّلْ من شأنُه، وهوي إذا شئنا أو أبينا شاعرْ كبيرْ، وأشعارُه فيها حكمْ ومواعظْ وصياغتها بارعة جداً وقابلة للحفظْ، وخاصة لما بيمدح نفسه: أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي - وأسمعتْ كلماتي من به صمم.. أنامُ ملء جفوني عن شواردها - ويسهر الخلقُ جَرَّاها ويختصمُ.. لاكنْ، برأيي، إنُّه أخطرْ شي في شعر المتنبي هوي شعر الهجاءْ.. (وضحك وأضاف) هلق بيزعلْ مني صديقنا أبو المراديس، باعتبارْ أنه بيحب شعرْ الهجاء.

قلتْ: في البداية بدي أتشكَّرْ الصديقْ كمالْ، لأنه دائماً بيطرحْ في السهرة أفكارْ دسمة، ومثيرة للجدلْ، وعندُه مقدرة على تبسيطْ أفكارُه وعرضها بشكل أنيق حتى ما يْعَصِّبْ علينا أبو الجودْ ويهددنا بمغادرة السهرة والذهاب غَصْبَنْ عَنُّه لعندْ أختنا أم الجودْ.

قال أبو الجود: أنا ما بهددْ بمغادرة السهرة لبعدما يجي العشا، وآكلْ، وإشربْ شايْ. بوقتها ما بيبقى عندي شي إخسره هون، بتصيرْ الروحة لعند أم الجود مقبولة، بتعرفوا يا شباب؟ أصعبْ شي في هالدنيا الفانية إنُّه يجتمعْ الجوع وأم الجود مع بعضهن بنفس الوقت. (والتفت إلي وقال) تفضل أبو مرداس كَمّلْ حديثكْ.

قلت: بصراحة أنا بحبّ الهجاءْ لأني بكره المديحْ. المديح هوي الآفة رقم واحدْ اللي حافظتْ على تَخَلُّفْ الأمة العربية عبر العصورْ. متلما بتعرفوا، نحن اليومْ عايشين بصفة لاجئين في مدينة إسطنبول لأنَّا هاربينْ من بلدنا اللي صارتْ مَسْلَخْ، ومقبرة جماعية، ومَرْتَعْ للغزاة والمحتلين، ومع ذلك ما يزالْ الشعراءْ والأدباءْ المنافقين عم يمدحوا الشخص اللي خربها، وطَفَّشْنا، وقتلْ أولادنا، وهدم بيوتنا، وبيمدحوا محروقْ النَفَسْ والدُه اللي أسسْ للخرابْ والفوضى والتقسيم. بتعرف يا أستاذ كمال شو بيقول أبو العلاء المعري في اللزوميات؟ بيقول:
وصفتُكَ، فابتهجتَ، وقلتَ خيراً
لتجزيَني، فأدْركني ابتهاجي
إذا كان التَقَارُضُ من مُحالٍ
فأحسنُ من تمادُحِنا التَّهاجي

قال كمال: أنا متلما بتعرف مولع بشخصة المعري، وكلما انذكر قدامي بحس حالي عم إنحني قدام عظمته الفكرية.. ولولا خوفي من إنه أبو الجود يترك السهرة ويروح ع البيت قبل العشا كنتْ جبتْ لكْ أكثرْ من مثالْ من شعر المعري بتعبر عن كراهيتُه للنفاق، وشي طبيعي إنه يكون المديحْ نوعْ من النفاقْ.. من يومين يا شباب قريت في الأخبار إنه المحامي العام في طرطوس حَطْ على بناء القصر العدلي صورة لبشار الأسد اللي دمر نصف سورية وتحتها كتب عبارة (القاضي الأول)، وهاي ما كتير بتفرق، من جهة النفاق، عن قصائد محمد مهدي الجواهري في مديح حافييظ، بينما المعري بيقول:
فلا يعجبنِّيَ ذاكَ النفاقُ - فكمْ نَفَّقَتْ محنةٌ ما كَسَدْ
وبيقول شاعر قديم اسمه عبدان:
وقالوا في الهجـاءِ عليـك إثمٌ
وليس الإثـمُ إلا فـي المـديحِ
لأني إن مدحتُ، مدحتُ زوراً
وأهجو، حين أهجو، بالصحيح

قال أبو محمد: لو لم تكن زوجتي أم محمد متوفاية كنتْ هلقْ راحْ أتركْ السهرة وأروحْ عَ البيت. لكنْ متلما بتعرفوا، أنا عايشْ لحالي متل القردْ اللي قاتلُه صاحبُه. على فكرة يا أستاذ كمالْ أنا مو متضايقْ من الحكي اللي عم تحكوه، بالعكسْ كتير مستمتع، لكن اللي مضايقني أنكم بتبلشوا بحديثْ وما بتكملوه.

قال أبو زاهر: صح. الأستاذ كمال كان عم يحكي إنه المتنبي شاعرْ كبيرْ وممتازْ و.. و.. و.. لاكنْ معترض عليه بسبب شعر الهجاء.

قال كمال: هون حَطّنَا الجَمَّالْ. بدي أقولْ إنه لو بقي المتنبي طول عمره وهوي عم يهجي كافورْ الإخشيدي ما كان حدا تضايق أو زعل منه، لاكن المشكلة أنه لما بيهجي كافورْ كان يهجي العبيدْ، ويمدحْ الأحرارْ. وكلنا منعرف إنه العبدْ ما صار عبدْ بإرادته. ووصل بهجاؤه للعبيدْ إلى مرحلة تشبيههم بالدوابّ (العبدُ يقرع بالعصا - لا تشتر العبدَ إلا والعصا معه).. وبنفس الوقت هجا السود.. يعني كان عم يمارس الشي اللي منسميه بلغة اليوم (التمييز العنصري).

عندما وصل كمال في حديثه إلى هنا، بدأنا نشم روائح قلي الكبب، فقال كمال:
- قبلما نتوقف عن الحديث ونبلش بالطعام، بدي أقول إنه في قصيدة "مكة"، للشاعر اللبناني سعيد عقل بيت بيقول:
وأَعِزَّ رَبِّ الناسَ كُلَّهُمُ
بيضاً – فلا فَرَّقْتَ – أو سودا