المصالحة والتطبيع والفكاهة السياسية

المصالحة والتطبيع والفكاهة السياسية

07 مايو 2014
+ الخط -
المشهد الفلسطيني حاضر بقوّة، هاته الأيّام، في الساحة السياسية التونسية، سواء في قضيّة السيّاح الإسرائيليين، أو من خلال اتفاق المصالحة بين حركتي حماس وفتح. فالنسبة للأولى، تحاول كلّ الأطراف السياسية المزايدة على بعضها، كما العادة في مسألة التطبيع. فحركة النهضة وحلفاؤها رفضوا التنصيص في الدستور على تجريم التطبيع مع إسرائيل، فهاجت المعارضة حينها، واتهمتها بالعمالة للكيان الصهيوني. هذه المعارضة نفسها، والتي طالما روّجت فكرة تجريم التطبيع دستوريّاً، نجد أعضاء بارزين فيها، إمّا زاروا إسرائيل سرّا أو التقوا بوجوه صهيونية معروفة تحت عناوين مختلفة. تناقضات نعجز عن فهمها، أحياناً، لكن نقرّ، في الوقت نفسه، بأنّ جميع أحزابنا كلّما تناولت قضيّة، فإنّ مواقفها منها تكون بحسب المصلحة، لا حسب المبدأ. فالذين يهاجمون وزيرة السياحة آمال كربول، بدعوى سماحها بدخول السيّاح الإسرائيليين وسعيها إلى ذلك، نسوا أو تناسوا ما ظهر من أخبار، تفيد أن السيّاح جاءوا إلى جربة في اثناء حكم الترويكا، مصحوبين بأحد أشهر فنّانيهم الذي غنّى للشالوم، على ضفاف الجزيرة، ولم نسمع لهم صوتاً واحداً يندّد بذلك الصنيع في وقته.
إذا كانت مسألة التطبيع مع إسرائيل مرفوضة، ألم يكن من الواجب رفضها جملةً، لا إنكارها تفصيلاً، وحسب الهوى. ولنفترض أن السيّدة كربول مطبّعة مع الكيان الصهيوني، ومهمّتها الأولى في تونس كسر الحاجز النفسي لدى التونسيين، لقبول فكرة أن يكون بينهم صهاينة كسيّاح أو كحجاج. لنفترض أن هذه مهمّتها، فأخبرونا، بالله عليكم، جماعة مناهضة التطبيع، خصوصاً الذين حكموا البلاد ثلاث سنوات: ماذا قدّمتم لفلسطين، وماذا فعلتم نصرة للشعب الفلسطيني. كلام في العروبة والتضامن العربي في الظاهر وقبول الضغوط الأميركية الأوروبية باطناً، فيما يخصّ تقبّل الآخر في إطار متوسّطي، ولو كان في شكل سياحة.
أمّا عن المصالحة الفلسطينية، فهناك شقّ يريد استثمارها أيضاً، وإظهار أنّه كان لهم دورا في ذلك، وكالعادة، بدأ بعضهم ترويج فكرة أنّ الشيخ راشد الغنوشي، بحكمته المعهودة، تمكّن من إقناع "حماس" و"فتح" بالمصالحة واستنساخ التجربة التونسية في التوافق. ... يا جماعة الخير، الحركتان توافقتا، ولكلّ منهما أهدافها، "فتح" خسرت كثيراً، بسبب المفاوضات التي لا طائل منها. لذلك، تريد الضغط على أميركا وربيبتها إسرائيل بالمصالحة. أمّا "حماس"، فتريد مصالحةً تخرجها من العزلة، خصوصاً بعد الانقلاب في مصر الذّي ضيّق كثيراً من مجال تحرّكها. بمعنى آخر، كلّ منهما يعرف ماذا يريد من الآخر. والآخر ليس خافياً عليه ذلك، فما دخل الشيخ، إذن؟
لا أعلم لماذا تصرّ النخب السياسية في تونس على استغباء الشعب، وكأنّه لا يفقه شيئاً مما يحدث، وينتظر ما يقوله الساسة، يكوّن رأيه في المسائل والمستجدّات. ألم يعلموا أن الشعب التونسي من أكثر الشعوب تعليماً في العالمين العربي والإسلامي، ما يؤهّله لأنّ يكون أكثرهم فهماً، لما يدور حوله، ناهيك عمّا يدور داخل وطنه. وماذا قدّمت هذه النخب أصلاً لهذا الشعب سوى وعود زائفة وكذب ومزيد من التضليل والتعمية على حقيقة الأمور. نُخَبٌ مفلسة تريد استغلال كلّ شيء، يكمن أن يجمّل صورتها في محاولة بائسة لاستجلاب رضا شعبٍ، أصبح يضحكه كلام السياسيين أكثر من كلام صانعي الفكاهة.


 

avata
الناصر الرقيق (تونس)