المصالحة الفلسطينية والانتخابات الإسرائيلية المقبلة

26 اغسطس 2019
الصورة
+ الخط -
في قراءة متأنية لاستطلاعات الرأي الإسرائيلية، عشية انتخابات الكنيست (البرلمان) المزمعة يوم 17 سبتمبر/ أيلول، يمكن الجزم بأن الحكومة الإسرائيلية المقبلة ستكون الأكثر يمينية منذ إنشاء إسرائيل، وليس في أجندتها مفاوضات محتملة مع الفلسطينيين. وقد أظهر استطلاع أجرته صحيفة معاريف وإذاعة إسرائيلية محلية بواسطة معهد سميث المتخصص في الاستطلاعات، قبل أيام، أن معسكري أحزاب اليمين وأحزاب الوسط - اليسار ستحصل على 42 مقعداً، في حين سيحصل حزبا اليهود الحريديم (المتشددين دينياً) على 15 مقعداً، وحزب إسرائيل بيتنا، بزعامة أفيغدور ليبرمان، على عشرة مقاعد، والقائمة العربية المشتركة على 11 مقعداً، أما حزب الليكود برئاسة نتنياهو فسيحرز 32 مقعداً، وقائمة تحالف "أزرق أبيض" برئاسة الجنرال بني غانتس ستحصل على 30 مقعداً، وسيستأثر تحالف يامينا (نحو اليمين)، وهو الاسم الجديد لتحالف "اليمين الموحد" بين "اتحاد أحزاب اليمين" و"اليمين الجديد" برئاسة أييلت شاكيد، بعشرة مقاعد. وستحصل قائمة حزب شاس الحريدي على ثمانية مقاعد، وقائمة الحزب الحريدي يهدوت هتوراه على سبعة، وقائمة تحالف "المعسكر الديمقراطي" بين حزبي ميرتس و"إسرائيل ديمقراطية" بزعامة إيهود باراك على سبعة مقاعد أيضاً، وقائمة التحالف بين حزبي العمل و"جيشر" على خمسة.
اللافت في برامج الأحزاب والتكتلات الإسرائيلية المذكورة شبه إجماع للتنكر للحقوق الفلسطينية في قضايا القدس واللاجئين والحدود، فضلاً عن غياب أي أجندة لمفاوضات محتملة مع 
الفلسطينيين، والتأكيد على تسريع وتيرة النشاط الاستيطاني في عمق الضفة الفلسطينية، بغرض ضمّها، وبدعم من إدارة الرئيس الأميركي، ترامب. ولهذا سيواجه الفلسطينيون، بعد الانتخابات الإسرائيلية، مخاطر جمّة في ظل انقسام فلسطيني مرير وأسود مستمر منذ صيف عام 2007، والذي على الرغم من الحديث المتكرر عن إنهاء حالته، فإن المتابع بات على يقين من وجود معوّقات أساسية، تحول دون مصالحة حقيقية، قد يكون منها الضغوط الخارجية وغياب القوة الضامنة لتوقيع اتفاق ينجز هذه المصالحة المشتهاة، وبالتالي الشراكة السياسية، وكذا محاولة أصحاب المصالح والامتيازات التي تولّدت بفعل تداعيات الانقسام الإبقاء على الجغرافيا السياسية المستحدثة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.
ونتيجة مباشرة لحالة الحصار الإسرائيلي والانقسام الفلسطيني، راحت مؤشرات البؤس تتصاعد بين الفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة. وتفيد دراسات بأن معدلات البطالة زادت أخيرا عن 60% في غزة. ونتيجة ذلك، باتت الخيارات التعليمية والصحية ضعيفة. ومن أصل مليون وستمائة ألف فلسطيني في قطاع غزة، ثمّة 60% منهم تحت خط الفقر. ويبدو المشهد السياسي الفلسطيني رمادياً مع استمرار حالة الانقسام الحقيقي على الأرض، وعدم وجود إرادة سياسية صادقة لإنهائه، ولمواجهة سياسات الحكومة الإسرائيلية المقبلة، بات من الضرورة 
تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الفصائلية الضيقة، وتحقيق المصالحة الوطنية، والاتفاق على سبل كفاحية مشتركة لمواجهة عنصرية إسرائيل المتفاقمة، المدعومة من إدارة ترامب.
ويمكن تعزيز الاعتراف بفلسطين دولة في المؤسسات الدولية، إذا استطاع الفلسطينيون إنهاء انقسامهم وترسيخ مصالحة بالأفعال، ومن ثم التوجه بخطاب سياسي دبلوماسي موحد وجامع، بعد وضع برنامج واستراتيجية كفاحية مشتركة. ولا يمكن أن تكتمل دائرة المصالحة الحقيقية، وتفعيل دور منظمة التحرير والسلطة الفلسطينيتين، من دون مشاركة واسعة من الغالبية الصامتة من الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات (الفعاليات السياسية والاقتصادية ومنظمات المجتمع المدني)، لجهة حماية المشروع الوطني، ورسم مستقبل الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه الثابتة.
التحدّيات الجمة التي ستواجه المشروع الوطني الفلسطيني، بعد انتخابات الكنيست المقبلة،
 وتشكيل الحكومة الإسرائيلية التي ستكون الأكثر يمينية منذ إنشاء إسرائيل عام 1948، تتطلب الإسراع في عقد مصالحة فلسطينية حقيقية تتعدّى الشكليات السابقة، بحيث يشارك فيها الكل الفلسطيني، خصوصا القوى الصامتة، بغرض إنهاء حالة الانقسام الحاصل في الساحة الفلسطينية من دون رجعة، نزولاً عند مطالبات الشعب الفلسطيني وعطاءاته ونضالاته، عوضاً عن البحث عن تطور كيانين في قطاع غزة والضفة الغربية، بمسميات فلسطينية كئيبة، فتجميع الجهد الفلسطيني والاتفاق على برنامج مشترك، وخيارات سياسية وكفاحية مستقبلية، من شأنها أن تحدّ من سياسات الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وفي مقدمتها النشاط الاستيطاني الذي سيقضم مزيدا من الأراضي في عمق الضفة الغربية، لفرض السيادة المطلقة عليها في نهاية المطاف، وبدعم من إدارة ترامب.