المصالحة الفلسطينية العصية

04 ديسمبر 2018
الصورة
+ الخط -
رغبتُ، أول الأمر، في وضع هذه المقالة تحت عنوان "المصالحة الفلسطينية المستحيلة"، لشدة الإحباط الذي أشارك فيه كثيرين، إن لم أقل أشاطرهم اليأس البالغ، إزاء إمكانية إنهاء حالة الانقسام المستمرة منذ نحو اثني عشر عاماً، لولا أنني تذكّرت، في اللحظة الأخيرة، أنه لا توجد مطلقات في عالم السياسة، وأن المسافة بين الممكن والصعب والمستحيل ليست سوى خطوط دقيقة لا تُرى بالعين المجرّدة، الأمر الذي حملني على تغيير المقاربة بالقول إنها مصالحة عصية على التحقق، في المدى المنظور على أقل تقدير.
ولعل ما خرج به علينا أحد طرفي الانقسام، في نهاية الأسبوع الماضي، قائلاً إنه قرّر إغلاق الباب أمام مبادرات المصالحة، بسبب عدم جدوى الاستمرار في حواراتٍ عبثيةٍ لا جدوى من ورائها، كان الباعث على العودة من جديد لتناول هذه المسألة الباردة بصراحةٍ جارحة، وبكلمات أشد إيلاماً للرأي العام وللطرفين معاً، وأوجع مما جرت عليه معظم المعالجات السابقة، لا سيما بعد أن استقر في وعي الأغلبية غير المبالية أن حوارات القاهرة كانت مضيعة للوقت، وموظفة في خدمة تعزيز الانقسام أساساً.
وأحسب أنه ينبغي، في البداية، توصيف الواقع الراهن بين الضفة الغربية وقطاع غزة، بالإجابة على السؤال الأساس؛ هل هذا انقسامٌ سياسيٌّ بين حزبين أو فصيلين، لدى كل منهما خطة عمل مختلفة باختلاف المنهج والرؤية والأهداف، أم أنه انفصالٌ بين سلطتين، لا سلطة لأي منهما تحت احتلال مديد، تتنافسان بينهما على الصواب والأحقية والشرعية، وغير ذلك من مغانم ضئيلة، وتتوهمان أنه يمكن تبادل الحكم، وممارسة الديمقراطية، في ظل احتلال فاشي، لا يرى الفلسطيني إلا من خلال فوهة البندقية؟
وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا كانت تصل كل الحوارات في القاهرة ومكة والدوحة وغيرها إلى الحائط المسدود، وتنهار كل الاتفاقات والتفاهمات فجأة، عند ملامستها أرض الواقع، إذا لم تكن كل تلك الاجتماعات والقبلات والمصافحات مجرّد أحابيل لخداع الناس، وكسب مزيد من الوقت، فيما النوايا في مكان آخر، يجري فيه تعزيز بنية الانفصال غير المعلن، وتوطيد أركانه الإدارية والأمنية والقضائية، وخلق وقائع انفصالية أكثر، قادرة على الدفاع عن نفسها بنفسها بقوة؟
وليس هناك في المجتمع الفلسطيني، لا اليوم ولا بالأمس، من لديه الجرأة السياسية لمكاشفة المخاطَبين بهذا الواقع، وإبلاغهم، من دون مواربة، أن الانقسام المكروه حقاً قد آل، بعد وقت قصير من حدوثه، إلى انفصال في النفوس أعمق مما على الأرض، له ديناميته الخاصة، وسائر تعبيراته الفظة، وإن ما جرى عام 2007 لا رجعة عنه إلى أمد غير معلوم، وهذه حقيقة أخرى مؤلمة من حقائق وضعٍ فلسطينيٍّ غاص بمثل هذه العاهات السياسية، التي لا مفر من مساكنتها، والتعايش معها، ومن ثمّة ضرورة إدارتها بالحد الأدنى من الآثار الجانبية الضارّة.
وقد يكون من حسن حظ الواقع الفلسطيني القائم أن حالة الانقسام أو الانفصال هذه، سمّها ما تشاء، قد حدثت بين جغرافيتين متباعدتين، وفي مكانين تفصل بينهما قوة عاتية، وإلا لكانت الوقائع أدهى وأمرّ مما هي عليه اليوم، حيث كان من المرجح وقوع حرب داخلية طويلة الأمد، لا تبقي ولا تذر، تتفاقم مع كل اتهامٍ متبادل، وتشتد عند أي ادّعاء، تماماً على نحو ما جرى ويجري بين أي جماعتين مسلحتين في الديار العربية، تتنازعان السيطرة والنفوذ والمشروعية على أرض واحدة، ولا تكفّان عن الاقتتال إلى أن تُخرج إحداهما من اللعبة.
ليست هذه دعوة إلى التسليم بهذه الحالة الانفصالية الشائنة، أو البناء عليها كحقيقة نهائية، ولكن السؤال هو: ما الذي ستحققه المصالحة إذا تمت اليوم قبل الغد؟ هل من شأنها أن تضيف عاملاً من عوامل القوة لوضعٍ ذاتيٍّ متهالك، وضعٍ توقّف فيه المفاوض عن التفاوض، وكفّ فيه المقاوم عن المقاومة، فيما يعطي الطرفان أولوية أولى للتمسك بسلطةٍ وهمية مهما كان الثمن، ويتجاهلان، بعناد شديد، وعماء بصيرة، كل المخاطر المحدقة، بما في ذلك خطر تصفية القضية المشتركة؟