المصارف الأميركية تترقب سياسات جيرومي باول حول القيود التنظيمية

10 نوفمبر 2017
الصورة
جيرومي باول مرشح ترامب لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي (Getty)
+ الخط -

استقبلت البنوك الأميركية خبر ترشيح ترامب لجيرومي باول رئيساً لبنك الاحتياط الفيدرالي قبل أسبوع، في انتظار موافقة مجلس الشيوخ، بسعادة، كونه معروفاً بميله إلى تقليل القيود عليها، كما أعلن في أكثر من مناسبة. 

وتعاني البنوك في الولايات المتحدة الأميركية، خاصة الصغيرة منها، من القيود التي فُرضت عليها بعد الأزمة المالية العالمية التي ضربت الأسواق في 2008. وتسببت الأزمة وقتها في أوضاع كارثية للعديد من البنوك والمؤسسات المالية التي كان يفترض أنها "أكبر من أن تفشل" على حد التعبير السائد وقتها. فأفلس بعضها، مثل بنك ليمان برذرز، وتدخلت الحكومة الأميركية لإنقاذ بعض آخر، مثل ميريل لينش. 

وقدّم الرئيس الأميركي باراك أوباما وبعض مستشاريه في 2009 سلسلة من المقترحات التنظيمية، استهدفت حماية المستهلك وترشيد أجور المديرين التنفيذين في المؤسسات المالية، بالإضافة إلى فرض إجراءات تحوط ومتطلبات رأس مال إضافية، وكذلك تعزيز سلطة بنك الاحتياط الفيدرالي عليها. وفي يوليو/ تموز 2010 جرى إقرار قانون دود-فرانك لإصلاح وول ستريت وحماية المستهلك، وتلته تشريعات أخرى في الاتجاه ذاته.

واشتمل قانون دود-فرانك، ضمن أمور أخرى، على ما أطلق عليه قاعدة فولكر، نسبة إلى الاقتصادي الأميركي ورئيس بنك الاحتياط الفيدرالي السابق بول فولكر، لتقييد قدرة البنوك الأميركية على القيام ببعض أنواع المضاربات التي لا تفيد عملاءها. وكان فولكر يرى أن مثل هذه المضاربات قد لعبت دوراً رئيسياً في الأزمة المالية في فترة 2007-2010. ويشار إلى هذه القاعدة على أنها حظر على مضاربات البنوك لحسابها الخاص باستخدام ودائع العملاء.

لكن الرئيس دونالد ترامب وكثيراً من أعضاء حزبه الجمهوري دعوا إلى إلغاء قانون دود فرانك، أهم تشريعات ما بعد الأزمة، وطالبوا بتخفيف بعض متطلبات رأس المال والسيولة المفروضة على البنوك والمؤسسات المالية، في محاولة لزيادة قدرة البنوك على الإقراض. وقال ترامب إن التغييرات التي وُضعت بعد الأزمة "ذهبت بعيداً جداً"، واصفاً القانون بأنه "كارثة صعبت على المستهلكين والشركات الحصول على القروض وقيّدت النمو الاقتصادي". 

شعار تخفيف القيود

وكان ترامب قد جعل من "تخفيف القيود" عنواناً رئيسياً خلال حملته الرئاسية، ثم أتبع ذلك

بجهود واضحة لإعادة كتابة، أو إلغاء، اللوائح التي تنظم عمل كل شيء تقريباً، من خصوصية الإنترنت وتغيّر المناخ إلى القروض الطلابية وإصابات العمل وتركز الملكية في شركات الإعلام، وحتى قوائم الأكل في المطاعم. لكن تخفيف القيود المنظمة لعمل البنوك والمؤسسات المالية لا يتوقع له أن يكون بنفس السهولة.

فقد رفضت جانيت يالين، رئيسة بنك الاحتياط الفيدرالي، والتي ستنتهي ولايتها أوائل فبراير/ شباط 2018، نهج ترامب في تنظيم وول ستريت (وتقصد البنوك والمؤسسات المالية)، وقالت إن "القواعد المصرفية الموجودة حالياً جعلت الاقتصاد أكثر أماناً، وحمت البلاد من حدوث أزمات مالية جديدة".

وفندت يالين انتقادات ترامب، أمام حشد من محافظي البنوك المركزية للدول الكبرى ووزراء ماليتها واقتصاديين وصحافيين قبل أسابيع عدة قائلة إن "الأبحاث أشارت إلى نتائج مختلطة، ولكن مسؤولي بنك الاحتياط الفيدرالي يعتقدون أن ارتفاع معايير رأس المال ساهم في تحقيق النمو الاقتصادي".

إلا أنها أقرت بأن بعض المقترضين قد يجدون صعوبة في الحصول على القروض بسبب القواعد المفروضة. ويعتبر دور رئيس البنك الفيدرالي هو الأهم في تحديد كيفية عمل ومراقبة المؤسسات المالية في الولايات المتحدة الأميركية. 

وقبل استقالته كنائب لرئيس البنك الفيدرالي بأيام، أبدى ستانلي فيشر، في حوار مع صحيفة الفايننشال تايمز الشهيرة، وجهة نظر مشابهة، إذ قال إن "الجهود التي تبذلها الإدارة الأميركية الحالية (إدارة ترامب) لهدم القواعد التي وضعت قبل عشر سنوات (في أعقاب الأزمة المالية) ستؤدي إلى عودة المؤسسات الكبيرة إلى الوضع الذي أدى إلى حدوث الأزمة المالية"، مشيراً إلى دعوة الرئيس ترامب والسياسيين الجمهوريين إلى إلغاء قانون دود فرانك، والذي عده جزءاً أساسياً من تشريعات ما بعد الأزمة، وسعيهم وراء تخفيف بعض متطلبات رأس المال والسيولة لدى البنوك.

العودة إلى ما قبل الأزمة

وقال فيشر، والذي أرجع استقالته إلى أسباب شخصية، "لقد استغرق الأمر ما يقرب من 80 عاماً بعد أزمة عام 1930 للدخول في أزمة مالية أخرى بهذا الحجم، والآن بعد مرور 10 سنوات فقط يريد الجميع العودة إلى أوضاع ما قبل الأزمة المالية الكبرى".



وأضاف "أرى ذلك حقيقةً أمراً خطيراً جداً ويعبّر عن قصر النظر". بيد أن فيشر أيّد الجهود الرامية إلى تخفيف القوانين الخاصة بالبنوك الصغيرة، مدعياً أنها ستساعد على تحقيق التوازن بين النظام المصرفي، "لكن بالنسبة للبنوك الكبيرة فالأمر خطيرٌ جداً جداً".

أما الرئيس الجديد للبنك الفيدرالي جيرومي باول، والذي يتوقع تسلّم منصبه أوائل فبراير/ شباط المقبل، حال مباركة مجلس الشيوخ ترشيحه، فربما يكون نعمة كبيرة للبنوك والمؤسسات المالية الصغيرة. فقد أعرب باول في أكثر من مناسبة، ومن خلال عضويته في مجلس محافظي بنك الاحتياط الفيدرالي، عن نيته التركيز على حجم البنك عند مراجعة التنظيمات المفروضة في أعقاب أزمة 2008 المالية. 

ومثّل استبدال يالين الأكثر تحفظاً بباول، المحامي الذي عمل سابقاً في البنوك الاستثمارية، دفعة لجهود تخفيف القيود على المؤسسات المالية. ويتوقع المحللون أن يعبر باول عن رغبته المعلنة في تخفيف العبء التنظيمي، وبصفة خاصة على البنوك الأصغر حجماً.

وسيمنحه جلوسه على كرسي رئيس البنك الفيدرالي حرية أكبر في تعديل أو استبعاد بعض التنظيمات التي يراها زائدة عن الحاجة، أو غير فعالة. ويقول جون سيلفيا، كبير الاقتصاديين في بنك ويلس فارجو، إن "خبرة باول في البنك الفيدرالي ستساعده على إدارة المؤسسة خلال فترة صعبة"، مضيفاً أنه "كمحامٍ، يمكن أن ينظر بشكل نقدي إلى كثير من اللوائح التي ظهرت".

دور الاحتياطي الفيدرالي

يلعب بنك الاحتياط الفيدرالي دوراً رائداً في الإشراف على أكبر المؤسسات المالية في العالم، بما في ذلك الإشراف على اختبارات الضغوط stress tests السنوية، وكذلك مراقبة أي من المؤسسات غير المصرفية التي تعتبر مؤثرة في النظام المالي.



وقد بدأ بنك الاحتياطي الفدرالي مؤخراً في استعراض کیفیة ممارسته سلطاته الجديدة، من أجل تقدیم بعض التخفيفات التنظيمية، بعد مرور عشر سنوات على بداية الأزمة، وكان باول دائماً عنصراً مهماً في تلك المناقشات، وكثيراً ما عبّر عن انفتاحه تجاه مناقشة نسب رأس المال المطلوب من البنوك تحقيقها. 

ونقلت وكالة رويترز عن باول تساؤلاته، في كلمة ألقاها في إحدى المناسبات قبل أيام قليلة من ترشيح ترامب له، عن إمكانية "تحقيق السلامة والأمان وما نهدف إليه من الاستقرار، بتكلفة أقل للمستهلكين والمؤسسات المالية". وأضافت أنه قال "هل يمكننا أن نفعل ذلك بكفاءة أكبر؟ أي أجزاء (من تلك التنظيمات) ضرورية، وأيها زائدة عن الحاجة؟".

كذلك أوضح باول أن أولويته القصوى هي ضمان أن تكون القواعد "مصممة" بشكل أفضل للمؤسسات المعنية، وأن تتمتع البنوك الصغيرة بقيودٍ أخف. وعلى وجه الخصوص، قال باول إن "قاعدة فولكر، والتي تحظر على البنوك الدخول في المضاربات الخاصة، لا تناسب البنوك الصغيرة التي تشكّل خطراً أقل منهجية، وتنبغي إعادة كتابتها لتشمل مجموعة أقل من المؤسسات".

واستبقت أسهم البنوك أية تعديلات فعلية في التنظيمات، واستمرت في اتجاهها التصاعدي الذي بدأته مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض. وتجاوزت ارتفاعات أسهم بعض البنوك منذ بداية العام نسبة العشرين بالمائة، على الرغم من انخفاض أرباح المتاجرة في أغلبها، واستمرار أسعار العائد عند مستوياتها التاريخية المنخفضة. 

والأربعاء أصدر بنك كريدي سويس تقريراً متفائلاً توقّع فيه استمرار أسعار أسهم البنوك في

الارتفاع في الفترة المقبلة، وقالت محللة الأسهم في البنك سوزان روث كاتزكي إنها "متفائلة وتتوقع أن البنوك الأربعة الكبرى في الولايات المتحدة (بنك أوف أميركا، جي بي مورغان، مورغان ستانلي، وسيتي غروب) ستشهد متوسط ارتفاع في قيمة أسهمها بنسبة 10٪ حال إقرار تخفيفات للقوانين في الفترة المقبلة".

وتعتمد الزيادة الكبيرة في أسعار أسهم البنوك، بحسب كاتزكي، على توقعات تحسن بيئة التشغيل حال إقرار التغييرات المنشودة على قانون ضرائب الشركات والإصلاح التنظيمي للمؤسسات المالية تحت إدارة ترامب.

أما مايك ريان، مسؤول الاستثمار للأميركتين في بنك يو بي اس العملاق، فقد نشر منذ يومين على حسابه على موقع لينكد إن مقالاً أيد فيه إجراء تخفيفات على تنظيمات البنوك، وأكد أن الاستفادة من إجراء التخفيفات لن تتوقف على ربحية وأسعار أسهم البنوك فقط، وإنما ستمثل إضافة مهمة للاقتصاد ككل، بما يدفع بمعدلات النمو إلى أعلى.

وفي النهاية، من الواضح أن المسؤولية جسيمة. فمن ناحية هناك الضغوط المطالبة بتخفيف القيود والتنظيمات المحجمة لعمل المؤسسات المالية، ومن ناحية أخرى ما زالت آثار الأزمة المالية الأخيرة محفورة في أذهان الجميع، ويخشى بعضهم تكرارها حال تخفيف القيود.

ولن يقتصر تأثير مراجعة وتخفيف القيود على الولايات المتحدة الأميركية وحدها، وإنما سيمتد ليشمل كافة أنحاء المعمورة، حيث تسترشد البنوك المركزية في العالم كله بقوانين البنك الفيدرالي، وكثيراً ما تشرع في فرضها معه في بلدانها. كما أن بعضهم يتوقع أن يظهر على الساحة بعض الكيانات التي تقوم بأداء كامل وظائف البنوك من خارج القطاع المصرفي، ولدى وول مارت وأمازون أبحاث ضخمة في هذا الصدد، وهو ما قد يفرض أعباء جديدة على البنك الفيدرالي في المستقبل القريب. 

 

المساهمون