المصارحة المؤجّلة في لبنان

المصارحة المؤجّلة في لبنان

16 سبتمبر 2014
الصورة

اعتصام لأهالي الجنود المخطوفين (10سبتمبر/2014/الأناضول)

+ الخط -

جنود مخطوفون ومدنيون أيضاً. حواجز مناطقيّة وتدقيق في الهويّات. خطف تبعاً للكنية والمذهب. استنفار حزبي شامل وقطع طرق. أمن ذاتي في المناطق، وملثمون يحرسون القرى والبلدات. لاجئون أو "نازحون"، كما يحلو للدولة اللبنانية تسميتهم، ينتشرون في المدن والقرى كافة. يحدث ذلك كلّه في لبنان، تحديداً في سبتمبر/أيلول 2014. ذلك كلّه حدث أيضاً في لبنان. منذ منتصف السبعينيات حتى نهاية الثمانينيات. مشهديّة، اليوم، نسخة مكررة عن مشهديّات الأمس، القريب منه والبعيد. لم يتغيّر شيء، ولم نتعلّم شيئاً.

يعتب لبنانيون كثيرون لأنّ الدولة وأجهزتها لم تتحرك منذ خطف العسكريين قبل أسابيع، ولم تبادر إلى طمأنة ذويهم، بمعلومة أو اتصال يبرّد قلوبهم. لكن، يفوت هؤلاء اللبنانيين أنّ الدولة ذاتها، والزعماء أنفسهم، لم يحركوا ساكناً لمتابعة ملفّ أكثر من 17 ألف لبناني، فقدوا وخُطفوا في سنوت الحرب الأهليّة، على الرغم من أنّ أسماء مفقودين ومخطوفين كثيرين، وكذا الجهات الخاطفة، موثّقة.

لم تكلّ عائلاتهم، طوال السنوات الماضية، من طرق أبواب السياسيين. أمّهات وأبناء يعتصمون في حديقة رياض الصلح، يرفعون صور المفقودين والمخطوفين وينتظرون. والنتيجة، بعد عقدين ونصف على انتهاء الحرب، لجان رسميّة صوَريّة لم تقدّم أو تؤخّر.. والواقع مكانك راوح.

جنديان ذبحتهما بلا أيّ ذنب مجموعة إرهابيّة خطفتهما من الأراضي اللبنانيّة. دفعا ثمن خيارات لم يأخذاها. هما اختارا الدولة وأجهزتها للانخراط فيها، لا ميليشيات الأحزاب والطوائف. ماذا قدّمت الدولة في المقابل؟ في العلن، شكّلت خليّة أزمة وزاريّة للمتابعة. لم يرشح عملياً شيء عنها. ليست الدولة صاحبة قرار التفاوض، أو التوصّل إلى تسوية لإطلاق سراح بقية العسكريين. هي، أصلاً، غير قادرة على ضبط موتورين، انطلقوا إلى الشوارع للاعتداء على عمال ولاجئين سوريين، وعاجزة عن ضبط حدودها، وبسط سيطرتها على مربعات أمنيّة، باتت تتقاسم المناطق كافة.

انتهت الحرب الأهلية مع مقتل أكثر من 160 ألف لبناني، قضوا برصاص لبنانيين آخرين، وبأوامر من زعماء أحزاب وميليشيات. ماذا فعلت الدولة لهؤلاء وعائلاتهم؟ لم تحاسب المجرمين على جرائمهم، على الرغم من أن أسماءهم ومسؤولياتهم وأماكن إقامتهم موثّقة، أيضاً، ومعروفة.

يعتصم أهالي العسكريين المخطوفين في الأيام الأخيرة، وكذلك فعلت عائلة أحد المدنيين المخطوفين في البقاع. يقطعون الطرق، مطالبين الدولة نفسها بتحرير أبنائهم. أبرياء يسقطون ذبحاً، وبرصاص طائش، وفي جولات قتال متجدّدة. وفي المقابل، مطلوبون معروفون، يجولون ويصولون، ولا يجرؤ أحد على توقيفهم، أو تقليص امتيازاتهم وسطوتهم.

لم يحاكم مجرمو الحرب الأهليّة في لبنان. لم يحاسبوا على ما اقترفوه. لم يعترفوا بارتكاباتهم وأفعالهم. لم يفصح أي منهم أين دفن جثثاً قتلها عناصر حزبه، وماذا فعلوا بعابري سبيل على الحواجز، بعد خطفهم. مجرمو الأمس، هم، اليوم، قادة أحزاب ووزراء ونواب وموظفون في إدارات الدولة. يكرّسون بوجودهم، يوماً بعد يوم، منطق الإفلات من العدالة والمحاسبة. مجرمو اليوم لن يجدوا أيضاً من يحاسبهم، أو يردعهم. ما يفعلونه نقطة في بحر ما فعله كثيرون قبلهم، من دون أن يعاقبوا.

لا يملك اللبنانيون، اليوم، أكثر من التعبير عن امتعاضهم الافتراضي، على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، على الرغم من أنهم ضاقوا ذرعاً من السياسة والأمن والاقتصاد. ينتقدون الدولة ومؤسّساتها، أو ما تبقّى منها، على تقصيرها ولا يحرّكون ساكناً. يغضون طرفهم عن صور الدماء، يكتبون تعليقات التحسّر، ثم يمضون لمتابعة يوميّاتهم، وكأنّ شيئاً لم يحصل. كما لو أنّهم استقالوا منذ زمن، من مواطنيتهم وموجباتها. فقدوا الأمل من قدرتهم على التحرّك والمحاسبة، بعد أن روّضت الأحزاب وسياسات المحاور معظمهم.

انتهت الحرب الأهليّة بطيّ صفحتها. وجد اللبنانيون أنفسهم ينتقلون، بقدرة قادر، من مرحلة الحرب إلى السلم القسري. لم يختبروا مسارات بناء السلام. لم يسامح بعضهم بعضاً. لم يتسنّ لهم إدراك أهميّة المصارحة، تمهيداً للمصالحة الشاملة والعفو الحقيقي عمّا مضى، قبل الانتقال إلى صفحة جديدة، على غرار تجارب دول عدّة في العالم، شهدت نزاعات أهلية دمويّة.

وطالما أنّ المصارحة بين اللبنانيين أنفسهم، وبين اللبنانيين والقيّمين على المؤسّسات والأجهزة الرسميّة، حول ملفّات عدّة غائبة اليوم، طالما أنّ الجميع يسير في اتجاه انحداري، يترافق مع تحلّل هيبة الدولة، وكلّ ما يتفرّع عنها. والخطورة أنّ هذا المسار الانحداري سيقود، حتماً، إلى نزاعات جديدة، لن يسلم فيها هذه المرّة، مكوّن لبناني من دون آخر.