المشهد السياسي المصري بعد "رابعة"

31 اغسطس 2016
الصورة
+ الخط -
سأختلف معك سياسيًا، وسيكون بيننا سجال ومعارك أيديولوجية، لكنني لن أقبل أبدًا بسفك الدماء، أو استباحة مساحتك الشخصية، تلك الجملة بمثابة البوصلة التي تحكم أي عمل سياسي؛ لأن فقدانها يعني النزوع إلى الفاشية، وتغليب منطق القوة والعنف الذي لا يبني دولةً، أو يقيم نظامًا ديمقراطيًا، يرسخ قيم الحرية والعدالة الاجتماعية، والأهم هو التأكيد على مدنية الدولة، تلك المقولة التي تلاشت تمامًا ولم يعد لها وجود الآن.
في الحقيقة مثّلت واقعة ميدان رابعة العدوية في القاهرة، في أغسطس/آب 2013، منعطفًا مهمًا في الساحة السياسية المصرية، وامتدت آثارها إلى الساحة السياسية العربية، فقد كانت محطة اختبار لجميع القوى والتيارات التي كانت ترفع شعارات الحرية والديمقراطية، إلا أن ما حدث وموقف تلك القوى أكدا أنها لا تختلف كثيرًا عن "الإخوان المسلمين" أو النظام في طريقته البراغماتية التي يتعاطى بها مع المواقف. وبغض النظر عن التقييم السياسي لما حدث في ميدان رابعة، وعن المقولات السياسية التي أطلقت حينها، وما زالت تطلق، من الأطراف المختلفة أو وجهات النظر المتباينة، والتي لا يمكن أن تنسحب على الدماء، تظل الحقيقة الثابتة أن ما حدث هو مجزرة، ففي ساعات تم قتل مئات الأشخاص المعتصمين داخل الميدان، ولا أريد أن أسترجع مشاهد فض الاعتصام التي تؤكد فظاعة ما جرى ووحشيته، لكن الخريطة السياسية في مصر بعد "رابعة" تغيرت فعليًا.
إلى ذلك، مع صعود جماعة الإخوان إلى واجهة الحكم في مصر، توارى الجانب الدعوي لديها تمامًا، وبرز الجانب السياسي بتداعياته المفككة والمهلهلة، وبرز دور التنظيم وتأثيره في مدى رسم تحركات الجماعة ورؤيتها، وكذلك في تطوير أفكارها، وكيف ساهم في حصار الفكرة التي نشأت مع الجماعة منذ البداية. وانحسر الصراع الذي كان دائرًا قبل صعود "الإخوان" إلى السلطة انحسر بين الحفاظ على الفكرة أو الحفاظ على التنظيم، إلا أن الجناح القطبي داخل الجماعة انتصر لفكرة التنظيم. ومن هنا، نستطيع أن نفهم تحركات "الإخوان" فيما بعد؛ والتي كان منطلقها الأساسي الحفاظ على التنظيم وعدم التضحية به، وتبنى رؤيةٍ تقوم على التوازن والإصلاح، وهو ما انعكس بالتأكيد على الفكرة التي يتبناها "الإخوان" وأضعفتها وحولتها إلى مجرد شعار يتم ترديده باعتباره شاهدًا على الجماعة في جانبها التاريخي، وانعكس أيضًا على الجماعة في أدائها السياسي، عند صعودها إلى السلطة، فظلت تقدم مبدأ المصلحة الشخصية للجماعة، وليس مصلحة أفراد الشعب التي اختارت "الإخوان".
لم تدرك الجماعة اللحظة التاريخية التي وصلت إليها، فمع وصول محمد مرسي إلى السلطة كانت هذه الفرصة التاريخية لوصول أول رئيس مدني للسلطة في مصر، وظلت الجماعة على طريقتها في التعامل مع المؤسسة العسكرية، على أساس الموازنة والتفاهمات التي ترضي الطرفين، من دون النظر إلى مصلحة الشعب، أملاً منها في ميراث تركة حسني مبارك، لخدمتهم وخدمة رؤيتهم.
تميز أداء "الإخوان" بالتعالي في أحد جوانبه، وبالغباء في الجانب الآخر؛ ما سهل الطريق
لخصومهم للانقضاض عليهم وإطاحتهم، وحتى الوصول إلى لحظة الإطاحة، حدثت مشكلات في التنظيم وانشقاقات متتالية، وبدأت تعلو أصوات تطالب بتغيير القيادات، وإيجاد صيغةٍ ديمقراطيةٍ تحكم الجماعة وتصوراتها، وتحاسب المتسببين في الفشل السياسي الذي تميز به أداؤها. وهنا كانت "رابعة" المخرج، أو اللحظة التي كان يسعى إليها الطرفان، والتي أعطاها النظام للإخوان المسلمين، لإعادة ترتيب صفوف التنظيم وتماسكه ومحاولة تفادي تفكّكه، والعيش مرة أخرى في نفسية المضطهد، والعودة إلى العمل السري الذي أجادت الجماعة إتقانه، وتحويل "رابعة" إلى كربلاء جديدة، ينتظر "الإخوان" ذكراها والتأكيد عليها.
بحدوث "رابعة"، عادت المظلوميات التاريخية مرة أخرى، واجترار الماضي من دون محاولة تجاوزه، أو عمل مراجعاتٍ لأسئلةٍ مهمةٍ في فكر الجماعة وتاريخها، والتعاطي مع اللحظة التاريخية ومحاولة إقامة فهم متوازن، أو النظر في التغيرات الدولية التي حدثت في المنطقة، وتوقف قيادات الجماعة في الخارج عن تقديم خطاب فيه نوع من الشماتة أو التحريض. صحيحٌ أن ما حدث وما يحدث مع "الإخوان" تجاوز بمراحل ما حدث في الستينيات، إلا أن تغيرات الواقع تستوجب على الجماعة تقديم خطابٍ جديد، وعمل مراجعاتٍ لتجاوز المرحلة الحالية إلى مرحلةٍ جديدةٍ مبنيةٍ على رؤية وفهم أعمق للمتغيرات والواقع معًا.
كان النظام يسعى إلى الانتقام والإجهاز على غريمه الأساسي الذي كان، للحظات سياسية معينة، أقرب إلى الشريك منه للغريم. كان يتبنى خطاب العنف، واستغل أدواته الإعلامية التي روجت لنشر الإشاعات، قبل فض الاعتصام ومحاولة ترويج القبول به على المستوى الشعبي، والقول إن الاعتصام كان مسلحًا، ولو صحت تلك المقولة، فإنها على الجانب الفردي، وليس الكلي للاعتصام، وهذا، في حد ذاته، ليس مبرّراً للقيام بعملية العقاب الجماعي التي ارتكبها النظام ضد المعتصمين.
كان النظام يسعى إلى كسر شوكة الإخوان المسلمين، والتأكيد على هيبة الدولة والسلطة، والتأكيد على قوته وقدرته على كبح جماح "الإخوان". بالطبع، كان هناك رهانٌ من المحيط الإقليمي على قدرة النظام في فعل ذلك، فإطاحة "الإخوان" في مصر تسهل المهمة للإجهاز عليهم في بقية الدول الأخرى. في الجانب الآخر، حاول النظام بذلك الدفع بالجماعة إلى تبني منهج العنف الواضح، والسير على الطريقة الجزائرية؛ وبالتالي، إيجاد المبرّر القوي للإجهاز عليهم، إلا أن "الإخوان" لم ينجروا خلف ذلك، واكتفوا بالمظلومية التاريخية والتأكيد عليها.
في اللحظة التي اختار فيها النظام فض الاعتصام، عزّز ما يمكن تسميتها الفاشية الشعبية، والقبول بمنطق القتل والتنكيل بالخصم السياسي، وشرعنة العنف من الدولة وأجهزتها التي تعتبر بمثابة اليد الباطشة للنظام، إعلام النظام أوجد قطاعًا عريضًا من الشعب، يقبل فكرة القتل والإجهاز على الخصم السياسي، وتقبل مسألة سجنه وانتهاكه وتلفيق القضايا له، والانحراف تمامًا عن مبادئ العدالة وقيمها، والتي سيدفع ثمنها وقتًا ما.
والقوى السياسية في الساحة المصرية ليست نسيجًا واحدًا، بل هي أطياف مختلفة الفكر
والاتجاهات، إلا أنها اتفقت على إطاحة الإخوان المسلمين، ومثلت الغطاء المدني الذي سهل مهمة المؤسسة العسكرية للمرور والعودة مجددًا إلى السلطة. لم يكن الاختلاف السياسي هو المأزق، فهو جزء من كل في إطار منظومةِ تدافع سياسي، أحدثها المناخ العام بعد الثورة، إلا أن القبول بعملية سفك دماء الآخر، والقبول بإشاعات النظام والتأكيد لها ورفض مبدأ القتل، كان هو الاختبار الحقيقي الذي أكّد سقوط القيمة الأخلاقية لهذه الجماعات السياسية، وكذب ادعاءاتها وشعاراتها التي نادت بها، والمشاركة في القتل بذلك. بالطبع لا أريد التعميم، فبعض المواقف كانت رافضة لذلك، إلا أنها مواقف شخصية. قبول هذه التيارات، وخصوصاً الليبرالي منها، بفكرة فض الاعتصام في ميدان رابعة أصبح مثالا في الأروقة الأكاديمية الغربية، للبرهنة على فساد تلك النخب الليبرالية، وفقدانها القيم، وشرعنتها مفهوم الإرهاب الليبرالي.
هذه القوى السياسية غير قادرة على بناء بديل سياسي، أو تقديم مشروع يشعر الجميع بالمشاركة فيه، وبالتالي، لن تشكل تهديدًا للنظام. من يشكل التهديد للنظام هم "الإخوان المسلمون" على الرغم من فظاعة ما يحدث ضدهم، إلا أن السياق التاريخي يؤكد أن الجماعة والنظام هما أقدر طرفين على التفاهم والتفاوض دون الآخرين، فهل سيكون هذا أم أن للواقع كلمة أخرى؟