المشروع الوطني الفلسطيني على شفا حفرة

المشروع الوطني الفلسطيني على شفا حفرة

12 ديسمبر 2016
الصورة
+ الخط -
كان شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي حافلاً بالمناسبات، ففي منتصفه، مرت الذكرى الثامنة والعشرون لإعلان الاستقلال (الفلسطيني)، من دون أن تجد من يحتفي بها، أو يذكرها على سبيل استعادة التذكير بأن الوطن الفلسطيني أكثر احتياجاً للتحرّر من الاحتلال، واستعادة استقلاله الناجز، كما كان قد جرى "التذكير" قبلها بذكرى وعد بلفور. في وقت ما برح فيه الوضع الوطني يغرق في معمعان فوضى "التدمير الذاتي الخلاق"، ليس للمشروع الوطني الفلسطيني فحسب، بل ولما يُفترض أنها أدوات تحقيقه، في ظل تفشّي انقسامات وشروخ تنظيمية عديدة بين أطراف العمل الوطني الفلسطيني على اختلافها، وفي داخل التنظيم الواحد، أو الفصيل الذي فرّخ فصائل عديدة، أو الفرقة التي صارت فرقا وشيعا متنافرة ومتنابذة.
وفي ذكرى التقسيم (29 /11 /1947) التي تحولت بعد ثلاثين عاما (1977)، بقرارٍ أممي، إلى يوم للتضامن مع الشعب الفلسطيني، ها هو مؤتمر دعت إليه السلطة الوطنية، هو السابع كما أطلق عليه وباسم حركة فتح، يعقد في بعض بقايا الوطن، يؤكد أصحابه ليس على قرار التقسيم، ولكن على قرارٍ للانقسام الوطني، بل والانقسام التنظيمي، ما يؤشر إلى نوع التردّي التدميري الذي بات يحيق الحال الفلسطيني، وتردّي حال السلطة التي جادت بها قرائح مفاوضي "أوسلو"، وإذ بها، بقدرة قادر السلطويين الوظائفيين، أصحاب الأطماع السلطوية، ليس السياسية فحسب، بل والاقتصادية والتجارية التي أضحت شريكة الاحتلال عبر التنسيق الأمني وغيره من أشكال التعامل والتعاون المدني، إذ بها تتحول إلى بديل لمنظمة التحرير
الفلسطينية، ولحركة فتح نفسها، حتى صارت المنظمة بما فيها "فتح" أقنوماً صغيراً من أقانيم السلطة المتخمة بكل أصناف الاستبداد والتغوّل، وصولاً إلى تبني "سكرة" التوريث للأبناء، طالما هي البقرة الحلوب لهم، ولأطماعهم في جني المغانم السلطوية والمالية، ولا سيما في مرحلةٍ ما زالت إحدى سماتها الأبرز أنها مرحلة تحرّر وطني، لا مرحلة استثمار في السلطة التي يُراد لها أن تكون استملاكية، على طريقة النظام المباركي في مصر، والنظام الأسدي في سورية، ونظام معمر القذافي في ليبيا، ومزاوجة القبلي والطائفي في اليمن.
من هنا، بدأت الطامة الكبرى تحيق بالوضع الوطني الفلسطيني برمته، فما عادت المنظمة المظلة الوطنية التي تظلل الكل الفلسطيني ببرنامجها الوطني، إلى الحدّ الذي جرى فيه إفقادها كامل طاقاتها وفعالياتها الكفاحية، ليجري استبدالها بأشخاصٍ باتوا هم البديل غير الجامع أو المجمع عليه، في حين كانت المنظمة، وينبغي أن تبقى، الكيان الجامع للكل الفلسطيني.
ومن العبث الاستمرار في تبني قلب الأمور رأساً على عقب: انقلاب السلطة على مرجعيتها المفترضة، على الضد من أن المنظمة هي التعبير الحقيقي والتكثيف الأصدق لإرادة الشعب الفلسطيني كله، كونها المرجعية الوحيدة للسلطة، بل الأحادية. وهذا ما يستدعي تغييراً جذرياً في التعاطي مع الأولويات والضرورات الوطنية، وبما يعيد الأمور إلى نصابها الكفاحي الحقيقي والجاد والفعال. أما التشبث بالمواقع السلطوية قضية "مقدسة" للشخص، أو الأشخاص المتنفذين والفعالين في التعاطي والتنسيق مع الاحتلال، فهي الطامة الأكبر التي تذهب بالقضية الوطنية الفلسطينية نحو التصفية، وبالنظام السياسي نحو إفقاده مبرّرات وجوده، أما حلم التسوية المستحيل عبر المفاوضات الممتنعة عن جلب "حل الدولتين"، فهو الوهم الآخر الذي لا يقود إلا إلى التصفية كذلك، لا إلى التسوية، كما يتوهّم الحالمون.
طريقان أحلاهما مر، لكن الأمرّ ألا يكون في مقدور الوضع الوطني الفلسطيني تصحيح نفسه بنفسه، والعودة من سنوات النكوص والانقسام إلى ألق الوحدة الكفاحية، والبرنامج الوطني الذي يجمع الكل الفلسطيني على هدفٍ استراتيجي واحد، وأهداف تكتيكية فعالة، تقود إلى خدمة ما يصبو إليه شعب القضية الوطنية، لا أصحاب النوازع السلطوية والمنفعية المتبادلة مع الاحتلال، وأنظمة الاستبداد الراعية للحالة الإسرائيلية.
وكان مؤسفاً أن يترافق أو يتزامن تغييب المنظمة، مع غياب الفعل الشعبي وارتفاع منسوب الإحباط، وبدء ترذيل العمل المسلح والانتفاض الشعبي، والتشدّق بتبني المقاومة الشعبية والعديد من أشكال الكفاح؛ وقد ثبت أنها جميعها باتت نتاج أعمالٍ فردية، أو نتاج أفكار "زاروبية" لمجاميع قليلة، لا نتاج توجيهاتٍ وتوجهات برامج فصائلية أو سياسية، جميعها في ظل هيمنة السلطة والنزعات الزبائنية والمنفعية والمصلحية لدى أطرافها، تحوّلت إلى مادة للنكوص المشهود، حتى في ظل استفزازات المستوطنين، والقوات الحكومية الإسرائيلية وممارساتها الفاشية الآخذة بالتصاعد، بفعل تشجيع (أو صمت) حكومة التطرف اليميني، وتوجهاتها
الاستيطانية، العامدة إلى قطع الطريق على إمكانية إقامة دولة فلسطينية بشكل نهائي، مع ما يعنيه ذلك من تهيئة الأرض لدولة "ثنائية القومية"، عمادها بعض حكم ذاتي، وتسوية على "الطريقة القبرصية" للفلسطينيين، بما فيها من تعويضاتٍ مالية وتبادل أراض، أي تكريس "الأمر الواقع" الاحتلالي، وما ينطوي عليه من مخاطر ارتفاع الهجمات والعمليات والصدامات المسلحة والشعبية مع قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين.
وإن يكن حقيقة أن المشروع الوطني الذي تصاحب تاريخياً، وترافق وجوده وتألقه الكفاحي مع وجود حركة فتح، وتجليات الوجود الوطني الذي تكوّن في إطار الوحدة الكفاحية التي تبلورت في إطار منظمة التحرير، كذلك لا يمكن تحقيق أهداف هذا المشروع خارج أطر الوحدة الوطنية الجبهوية عامة، وفي طليعتها وحدة حركة فتح خصوصاً، وذلك لن يتم إلا عبر كفاحية مناضليها وطليعيتهم وصلابتهم المعهودة من أجل فلسطين، بعيداً من وظائف التسلط والاستبداد وتقديس الفرد والسلطة، وما أفرزته من ظواهر مميتة وقاتلة؛ أضحت تقدّم القضية الوطنية والبرنامج الوطني السياسي وضحايا سياسات القهر والانقسام من المناضلين أضحيات على طبقٍ من ذهب، لعدونا التاريخي، وهو يوغل في دماء شعبنا، ويهوّد أرضنا وممتلكاتنا، ويضفي على أرضنا التاريخية طابعاً توراتياً، عماده أسرلة كل شيء "أضعناه" بقلة حيلة قيادةٍ لم تستطع أن تصون حق شعبنا في مقاومة الاحتلال، أو حقوق شعبنا في كامل أرض وطننا التاريخي.
وهذا يعني، وبالفم الملآن، أن هناك من يسعى إلى التفريط بالمشروع الوطني، عامداً متعمداً، إرضاءً لنوازعه التسلطية ومصالحه الفردية والعائلية، وأحلامه بالثروة والتوريث، كما كان شأن قيادات تاريخية فلسطينية عديدة تنطّحت لقيادة شعب القضية الوطنية، ولم تكن على قدر أحلامه وطموحاته التحرّرية. وها نحن أمام معضلة تكرار مآسي الماضي واجترارها، ليس نكوصاً فحسب، بل وازدراء الوعي الوطني الذي صار حبيس التسلط والاستبداد والاستفراد بالحكم المطلق. فما الذي يبقيه كل هذا للمشروع الوطني؛ باعتباره حقاً ثابتاً من ثوابت الكل الفلسطيني، لا ينبغي أن ينازعنا فيه أحد، كائناً من كان.

دلالات