المشروع الأميركي ضدّ إيران: تمهيد لمعركة تفعيل كامل العقوبات

09 اغسطس 2020
الصورة
أبرامز قد يُستخدم في الأشهر الباقية قبل الانتخابات لزيادة الضغط على إيران (فرانس برس)

جاءت استقالة براين هوك، مسؤول الملف الإيراني في الحكومة الأميركية، مفاجئة، وحتى مستغربة في توقيتها، وترسم العديد من علامات الاستفهام حول ما يدور في مطبخ السياسة الخارجية الأميركية، وتحديداً بشأن الملف الإيراني. فقد أتت هذه الاستقالة قبل أيام من تصويت محتمل لمجلس الأمن الدولي في نيويورك على مشروع قرار أميركي حول تمديد حظر الأسلحة المفروض على إيران الذي تنتهي مدته في الثامن عشر من شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل.
وكان هوك قد صرّح الأربعاء الماضي، عشية استقالته، بأنّ الولايات المتحدة ستعرض مسوَّدة لمشروع للتصويت الأسبوع المقبل. وأكدت مصادر دبلوماسية غربية رفيعة المستوى في مجلس الأمن الدولي، لـ"العربي الجديد"، أنّ الطرف الأميركي وزّع مجدداً مسوَّدة المشروع على بعض الدول الأعضاء في المجلس، وطلب أن تقدّم ملاحظاتها عليها حتى الخميس الماضي. ويتوخى أغلب الدبلوماسيين التابعين للدول الأعضاء في مجلس الأمن الحذر الشديد لناحية الإدلاء بأي تصريحات رسمية حول مسار المباحثات الأميركية، أو حتى ما سيحدث بعد التصويت المحتمل من الناحية القانونية أو النظرية، ولا سيما في ما يخصّ الخطوات الأميركية التالية المتعلقة بتفعيل العقوبات الدولية على إيران بشكل رجعي بموجب عملية تضمنها اتفاق عام 2015، التي من المتوقع أن تقدمها الولايات المتحدة خلال ثلاثين يوماً من تاريخ التصويت.


المسوَّدة الأميركية خالية من أي لغة وسطية تجمع الدول حولها

خلف الكواليس، أكّد أكثر من مصدر دبلوماسي رفيع المستوى في مجلس الأمن، بمن فيهم دبلوماسيون غربيون، أنهم لا يرون ما يمكن أن يجنيه الأميركيون من تقديم المسوَّدة للتصويت "غير الإحراج الدولي"، خصوصاً أنّ من المستبعد أن يحصل المشروع على الأصوات التسعة التي يحتاجها لتبنيه، وحتى وإن حصل، فإنّ من شبه المؤكد أن تستخدم كل من روسيا والصين حق النقض (الفيتو). ووصف أحد المصادر المسوَّدة الأميركية بأنها "خالية من أي لغة وسطية تجمع الدول حولها، بل هي ممارسة أقصى حد من الضغط من دون أي حلول وسطى، حتى على صعيد لغة المشروع. كذلك فإنها تلغي فعلياً الاتفاقيات السابقة، بما في ذلك الاتفاق النووي الإيراني، الذي ما زالت جميع الدول ملتزمة إياه نظرياً، باستثناء الولايات المتحدة".
هذا التصعيد الدبلوماسي لم يكن وليد الأسابيع أو الأشهر الأخيرة، بل كان قد هدد به الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال حملته الانتخابية، قبل أن يعلن انسحاب بلاده من "خطة العمل الشاملة المشتركة"، ومعها الاتفاق النووي الإيراني. ثمّ تلا ذلك سياسات أميركية تمثّلت بممارسة أقصى درجات الضغط على إيران ومحاصرتها اقتصادياً، وخصوصاً خلال السنتين الأخيرتين، فضلاً عن محاولة التقريب بين إسرائيل وبعض دول الخليج، وهي سياسة قادها هوك بكل ما استطاع من قوة. وقد قال في تصريحاته الأخيرة قبل خروجه من منصبه: "تتفق كل من السعودية والإمارات والبحرين واليمن وإسرائيل على ضرورة تمديد حظر الأسلحة على إيران، وعندما يجتمع العرب والإسرائيليون على شيء ما، أعتقد أنّ من الضروري أن يلتفت المجتمع الدولي إلى ذلك، وعلينا الاستماع إلى ما تقوله المنطقة".

لكنّ الجانب الأميركي لم يكتف بالمقاطعة الاقتصادية والعقوبات التي التزمها العديد من الشركات والمصارف الدولية خشية من انتقام الولايات المتحدة، على الرغم من أنها قانوناً غير ملزمة بذلك، لأنها لا تخرق قوانين بلادها، ولأنّ العقوبات لم تصدر عن قرار دولي من مجلس الأمن. فإضافة إلى الحروب بالوكالة التي تقودها واشنطن ضدّ طهران على أراضٍ عربية، شكّل اغتيالها قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، تصعيداً عسكرياً غير مسبوق خلال السنتين الأخيرتين. وشهدت طهران في الأسابيع الأخيرة عدداً من التفجيرات الغامضة، رجّح خبراء أن تكون الولايات المتحدة أو/ وإسرائيل خلفها. وسط هذا التصعيد وتشديد الخناق على إيران، يأتي التصويت المحتمل في مجلس الأمن وسياسة الضغط القصوى المستمرة من الطرف الأميركي تجاه طهران.


ينذر دخول إليوت أبرامز على الخط بأنّ سياسات التصعيد وتضييق الخناق على إيران ستزداد

وينذر دخول إليوت أبرامز على الخط لتولي منصب الرئيس الجديد لمجموعة العمل الخاصة بإيران، خلفاً لهوك، إلى جانب توليه الملف الفنزويلي، بأنّ سياسات التصعيد وتضييق الخناق ستزداد. وعُرف أبرامز بسياسته المتشددة وماضيه الذي دعم فيه انقلابات عسكرية في عدد من الدول، بما فيها السلفادور وغواتيمالا، وهو من أبرز أركان "حزب الحرب" في الإدارة الأميركية. وقد أُدين بالكذب على الكونغرس في ما عُرف في الثمانينيات بـ"إيران غيت" أو "إيران كونترا" (بيع إدارة الرئيس رونالد ريغان أسلحة لإيران) خلال حكم رونالد ريغان، ثمّ عفا عنه جورج بوش الأب. ويرى بعض المحللين السياسيين أنّ أبرامز قد يُستخدم في الأشهر الباقية قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية لزيادة الضغط على إيران، ليس فقط دبلوماسياً، بل كذلك عسكرياً.
ولعل الأهم من التصويت في مجلس الأمن، الخطوة التي تليه وتتعلق بتقديم الولايات المتحدة بطلب خلال ثلاثين يوماً، بعد التصويت، يقضي بتفعيل كل العقوبات التي كان معمولاً بها قبل التوصل إلى الاتفاق النووي. المعركة في مجلس الأمن ستكون على هذه الخطوة ومدى قانونيتها، وعلى من يقرر أن التفعيل الأميركي للعقوبات ملزم للدول الأخرى أو لا. وتصرّ أميركا على أنّ هناك سنداً قانونياً لتفعيل العقوبات، لكونها دولة عضواً في مجلس الأمن والأمم المتحدة، على الرغم من انسحابها من الاتفاق النووي. الجانب الغربي، كما روسيا والصين، وهما دولتان عضوان في الاتفاق، صرّحتا في أكثر من مناسبة بأنّ انسحاب الجانب الأميركي وعدم حضوره الاجتماعات لا يخوله تفعيل العقوبات بشكل رجعي.
سيجد مجلس الأمن نفسه أمام سيناريو غير مسبوق يطعن فيه كل طرف بعدم قانونية خطوة الطرف الآخر وموقفه. وقد رجّح مصدر دبلوماسي غربي بأن يبقى الوضع في حالة مدّ وجزر وفي منطقة رمادية إلى موعد الانتخابات الأميركية ووضوح من سيفوز بها. وإذا فاز ترامب مجدداً، وتمكّنت الولايات المتحدة من بسط سيطرتها وفرض تفعيل العقوبات، ستكون كل الاحتمالات على الطاولة، وقد يعني ذلك إلغاء الاتفاق النووي، كما أعلن الجانب الإيراني في أكثر من مناسبة. وقد قال الرئيس الأميركي في تصريح له أمس السبت، إنه إذا فاز في الانتخابات، فإن واشنطن ستبرم اتفاقيات مع إيران وكوريا الشمالية على وجه السرعة. وإلى حين حلول موعد الانتخابات الأميركية، من المتوقّع أن تستمرّ إيران بمقاومة سياسة أميركا في "ليّ الذراع" التي لم تثبت نجاعتها لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات والتفاوض مجدداً حول الملف النووي. بل إنّ إيران استغلّت الخطوات الأميركية والموقف الأوروبي غير الحاسم، في ما يخصّ خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وفرضها عقوبات على طهران والتبعات الاقتصادية لذلك عليها، لتتخلّص من بعض القيود المتعلقة بتخصيب اليورانيوم، وهو الأمر الذي قد يزيد من قدراتها النووية. كذلك كثفت إيران من حربها بالوكالة ضدّ أهداف خليجية، إضافة إلى إسقاطها طائرة أميركية من دون طيار في يونيو/ حزيران 2019، وهجماتها على ناقلات نفط وغيرها. في الوقت ذاته، تشعر إيران بالاختناق الشديد من العقوبات الأميركية، ويبدو أن المجتمع الدولي سيظل في حالة انتظار حتى الثالث من نوفمبر، موعد الانتخابات الأميركية.