المشاهدة الآمنة حقّ للأطفال وأمهاتهم في لبنان

06 فبراير 2018
الصورة
في حاجة إلى أمها (ويك ماكنامي/ Getty)

بعد الطلاق تبرز مشكلات عدّة تستدعي اللجوء إلى المحاكم الشرعية، وحقّ المشاهدة منها ويستدعي رفع دعاوى في لبنان.

يبدو أنّ حالات طلاق متزايدة تُسجَّل في المجتمع اللبناني بحسب ما هو متداوَل اليوم، في حين تغيب أيّ أرقام تؤكد ذلك أو تنفيه. ومن دون الخوض في أسباب الطلاق وخلفياته التي تتعدّد، من غير الممكن عدم الإشارة إلى الآثار السلبيّة التي يخلّفها الطلاق على الأطفال، ولا سيّما في حال تعرّض هؤلاء إلى إهمال أو حرمان عاطفيَين وغير ذلك.

عند الانتهاء من دعاوى الطلاق، تبرز دعاوى أخرى مختلفة في أغلب الأحيان، ولا سيّما تلك المتعلقة بحق مشاهدة الأطفال التي تجري عادة في أماكن غير مناسبة وغير سليمة للطفل نظراً إلى عدم توفّر أماكن آمنة للمشاهدة. فتقول في السياق رئيسة جمعية إصلاح ذات البين في المحكمة الشرعية في مدينة صيدا جنوبيّ لبنان، بتول تركية، وهي أستاذة في الاستشارات الأسرية، إنّ "الأطفال يعانون كثيراً عند حدوث طلاق وعند رفع دعاوى حقّ المشاهدة التي تجري في أماكن غير آمنة من الناحية النفسية، الأمر الذي استدعى التفكير بحلول بديلة. فكان الحلّ تأمين مكان آمن وهادئ ومحايد للأطفال بعيداً عن أجواء المشاحنات القائمة بين الطرفَين".

وتتحدّث تركية لـ"العربي الجديد" عن "مشروع أعدّته لتأمين مكان ملائم للمشاهدة، والهدف تحصين المجتمع والقضاء على آثار العنف التي يعاني منها الأطفال من جرّاء الانفصال على الصعيدَين النفسي والمعنوي". تضيف: "حين بدأت العمل على الأرض، تبيّن لي مدى أهمية الدور الذي قد نؤدّيه في كسر جليد القسوة العاطفيّة نتيجة التجييش العاطفي المُمارَس من قبل الأب ضدّ الأم، والعمل على تقريب المسافات ومدّ جسور المحبّة والحنان والاحترام بين الأطفال والأهل، وذلك من خلال الاستعانة بفريق متخصص في علم النفس والاجتماع. فالمعاناة التي تلي الطلاق بين الأب والأم تسبّب مشاكل كبيرة للأطفال تؤثّر على حياتهم".


وتلفت تركية إلى أنّ "الطفل هو كالصفحة البيضاء، يتلقّى الذكريات ويحفظها سواء أكانت جيّدة أو سيّئة، وعلينا الاهتمام بهذا الأمر. لذا وجب علينا إيجاد بيئة آمنة له حتى لا يحتفظ بذكريات سيئة نتيجة الطلاق الحاصل بين الأب والأم، وحتى يشعر بأنّ ثمّة من يقف إلى جانبه ليتمكّن من رؤية والدته بطريقة آمنة بعيدة عن المشاحنات. بالتالي يؤثّر الأمر على حياته بطريقة إيجابيّة. من هنا، كانت قاعة للمشاهدة الآمنة في جمعية المواساة في مدينة صيدا مزوّدة بوسائل الراحة للأم والطفل وتشبه جوّ البيت بتفاصيلها".

من جهته، يقول قاضي شرع مدينة صيدا ورئيس محكمة صيدا الشرعية السنيّة، الشيخ محمد أبو زيد، لـ"العربي الجديد" إنّه "في عام 2012 صدر قانون جديد في لبنان تحت اسم نظام أحكام الأسرة، من شأنه معالجة بعض الأمور العالقة في موضوع الأسرة (لدى الطائفة السنيّة) وإحدى تلك المشاكل هي رفع سنّ الحضانة من سبعة أعوام للذكور وتسعة أعوام للإناث إلى 12 عاماً للجنسَين، فيكون الأولاد حتى تلك السنّ في حضانة الأم. وقد لحظ القانون موضوع المشاهدة إذ نصّ على أنّه يمنع مشاهدة الأولاد في المخافر (مراكز الشرطة). هو مشهد مؤلم أن تفجّر الأم حنانها بين رجال الشرطة بعدما انقضى أسبوع كامل ولم ترَ طفلها. كذلك تُمنَع المشاهدة في أروقة المحاكم وأماكن أخرى غير مناسبة كالسيارة مثلاً أو في الطريق. تلك ليست أماكن آمنة تليق بلقاء الأم وطفلها، لذلك تبلورت فكرة المكان الآمن للمشاهدة".

ويشدّد أبو زيد على "ضرورة الانتباه إلى أمر مهم وهو أنّ دعاوى المشاهدة ليست كباقي الدعاوى التي يمكن الحكم بها وإقفال الملف، بل هي دعاوى مستمرّة. على سبيل المثال، إذا كان الطلاق قد حصل والطفل يبلغ من العمر ثلاثة أعوام، فإنّ هذه الدعوى سوف تستمر حتى يبلغ الثانية عشرة". يضيف أنّ "الإحصاءات تشير إلى أنّ دعاوى حقّ المشاهدة من عام 2013 وحتى أواخر عام 2017 المنصرم، وصل عددها إلى 234 دعوى". يُذكر أنّ الدعوى لا تعني طفلاً واحداً، فثمّة دعاوى تتعلّق بحق المشاهدة لطفل واحد في حين قد يصل عدد الأطفال في الدعوى الواحدة إلى خمسة أطفال.


في السياق، يؤكد أبو زيد أنّ "قاعة المشاهدة التي أُنشئت أتت كبديل عن المخفر وأروقة المحكمة والمقاهي والمطاعم التي كانت تضطر الأم أن تشاهد طفلها فيها. هذه القاعة تمثّل بيئة مناسبة للأم وطفلها". ويتحدّث أبو زيد عن "مؤشر سلبي" إلى مستوى التأزّم الأسري وهو "استخدام الأطفال للضغط على الأم في أحيان كثيرة ومحاربتها كذلك. وهذا أمر يخالف الشرع والدين وحتى الأخلاق"، مشيراً إلى أنّ قاعة المشاهدة أو القاعات التي يمكن استحداثها لاحقاً ما هي "سوى حلول مؤقتة. وعلينا علاج أصل المشكلة وأن تكون الأم هي الحاضنة وأن تكون بكرامتها لتتمكن من المشاهدة".