المسيحيون الفلسطينيون... إسرائيل الخطر الأول

المسيحيون الفلسطينيون... إسرائيل الخطر الأول

28 سبتمبر 2017
الصورة
مراقبة عن كثب (فرانس برس)
+ الخط -

فلسطين مهد المسيحيّة. من هذه الأرض، انطلق المسيحيّون الأوائل. واليوم، كيف يعيش أحفاد هؤلاء في وطنهم الأمّ؟

لا ينغّص حياة ليندا الحلبي سوى قنابل الغاز والرصاص الذي يطلقه جنود الاحتلال الإسرائيلي بصورة شبه يومية، صوب منزلها ومنزل جيرانها المسلمين على حدّ سواء من دون تمييز. والحلبي التي تعيش على أطراف مخيّم العزّة للاجئين الفلسطينيين شمالي مدينة بيت لحم، جنوبي الضفة الغربية، تقول لـ"العربي الجديد" إنّ "الاحتلال الإسرائيلي يحاول دبّ الفرقة والتمييز بين المسلم والمسيحي. والجنود عند حواجز الاحتلال، يستخدمون دوماً أساليب لتعزيز الشرخ ما بين المسلم والمسيحي".

وتشدّد الحلبي على أصالة الوجود المسيحي التاريخي في فلسطين، قائلة: "في الأرض الفلسطينية ولد المسيح". تضيف أنّ هذه الأرض هي كذلك "مسرى الرسول محمد"، مؤكدة أنّ هذه الظروف خلقت حالة من التعايش ربما ليست موجودة إلا في فلسطين". والحلبي التي كانت تشغل منصب مديرة مدرسة بنات بيت لحم الثانوية، تخبر أنّ التلميذات المسيحيات كنّ يشكّلن فقط نسبة واحد في المائة من إجمالي عدد التلميذات، "لكنّ التعايش بين المسلمين والمسيحيين قويّ هنا وهم يشاركون بعضهم بعضاً المناسبات الاجتماعية والزيارات في الأعياد وغيرها. ولعلّ الأهم هو تشاركهم القضية الفلسطينية".

في مواجهة المحتلّ

خلال أحداث الأقصى الأخيرة التي وقعت في شهر يوليو/ تموز الماضي، إثر محاولة الاحتلال فرض بوابات إلكترونية وكذلك إجراءات جديدة على الفلسطينيين، وقف المسيحيون عند أبواب الأقصى جنباً إلى جنب مع مواطنيهم المسلمين للدفاع عنه، فكان هذا تعزيزا لمفهوم الوحدة والتعايش بين المسلم والمسيحي في وجه الاحتلال. وقد أبعد ذلك فكرة التفرقة على أساس الدين، بل خلق حالة من الإصرار عند كلّ الأطياف على أن تكون القضية الفلسطينية والاحتلال المشكلة الأساسية وليس تعدد الأديان.

هكذا، في ظل الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، تأخذ العلاقة المسيحية الإسلامية منحى آخر بعيداً عن ذلك الذي ذهبت إليه العلاقات التي تدهورت تباعاً في الدول العربية المجاورة. ويؤكّد المسيحيون أنّ الشعب الفلسطيني صامد في ظل إجراءات الاحتلال، سواء تعلّق الأمر بالمسيحيين أو بالمسلمين. فمعاناتهم واحدة مع الاحتلال، وهذا بحدّ ذاته يلغي فكرة الصراع الديني بينهما.

الصراع في سبيل القضية الفلسطينية يجعل الوجود المسيحي في فلسطين مختلفاً ويلغي التمييز مهما كان شكله بين المسلمين والمسيحيين، ويعزّز مفهوم أنّهما يعانيان معاً الظروف الصعبة التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على كلّ عربي يعيش في الأراضي المحتلة. ويرى كاهن رعيّة الروم الأرثوذكس في بيت لحم، الأب عيسى ثلجية، أنّ "العلاقة بين المسلمين والمسيحيين مختلفة عن علاقاتهم في بقيّة الدول العربية، لا سيّما المتأثرة بالصراعات والقتال". يضيف لـ "العربي الجديد" أنّ "الاحتلال الإسرائيلي عزّز مفهوم الشعب الفلسطيني الواحد الذي يقبع تحت سطوته، فابتعدت فكرة التمييز الطائفي والعرقي عن الفلسطينيين الذين يركّزون أكثر على كونهم شعباً يعيش تحت الاحتلال".

الاحتلال في كلّ مكان (فرانس برس)


لكنّ المخاوف التي قد تهدّد الوجود المسيحي في الأراضي الفلسطينية تقول باحتمال خلق حالة فوضى، خصوصاً تعزيز الهوية الدينية على حساب الهوية الوطنية، بالتالي يشعر المسيحي بأنّه غير مرغوب فيه وأنّ مكانه ليس هنا، في حال كان الصراع دينياً وليس وطنياً. وفي هذا الشأن، يقول رئيس المعهد الإكليريكي في بيت جالا (بيت لحم) الأب جمال خضر لـ "العربي الجديد"، إنّ "فلسطين لم تصل إلى مثل هذا الصراع"، لكنّه يلفت إلى "مؤشرات خصوصاً إذا سئل المواطن الفلسطيني العادي عن انتمائه.. هل هو فلسطيني عربي أم ديني مسلم أو مسيحي". ويشرح أنّ "الأولويات سوف تختلف في ظل وجود نظرة لدى البعض بأنّ القضية الفلسطينية هي قضية دينية إسلامية وليست قضية الشعب الفلسطيني. وهذا لا يبشّر بالخير. هو مقلق لكنّه ليس خطراً".

ويؤكد خضر على أنّ "المسيحي قبل المسلم مشغول بالعدالة في فلسطين وبإنهاء الاحتلال وتغيير الواقع الظالم الذي يعيشه الجميع. والمستقبل المسيحي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمستقبل الفلسطيني، فإذا كان المستقبل الفلسطيني مزدهراً وحراً، سوف يكون المستقبل المسيحي مزدهراً وحراً والعكس صحيح".

ثلاثة خيارات

ويرى خضر أنّ "الحالة الفلسطينية تضع الوجود المسيحي أمام ثلاثة خيارات: الأول وهو الأهم الصمود مثلهم مثل أيّ مواطن فلسطيني آخر. وهذا واجب كل مسيحي ومسؤولية تقع عليه من الناحية الدينية. فالصمود والثبات في هذه الأرض يأتيان لأسباب كثيرة، كون المسيحيين هم أبناء هذه الأرض وهم جزءاً من الشعب الفلسطيني، بالتالي فإنّ خيار الصمود هو خيار طبيعي". أما الخيار الثاني وفق خضر، فهو "الهجرة مع استمرار الوضع الحالي، الأمر الذي يشكّل نزيفاً. وهو خيار غير مرغوب فيه. والهجرة لا تقتصر على المسيحيين فحسب، فالمسلمون يهاجرون كذلك نظراً إلى الظروف الصعبة. لكنّ الفرق هو أنّ عدد المسيحيين في فلسطين منخفض (أقل من 1.4 في المائة) وبالتالي يبدو تأثير الهجرة واضحاً من ناحية العدد". والخيار الثالث بحسب خضر الذي يشدد على أنّه "لا نريد التفكير فيه نهائياً، هو الوضع الذي يحدث في بلدان عربية أخرى في الشرق الأوسط مثل العراق وسورية، والتي يُهجّر المسيحيون منها بسبب الفوضى فيها. لا بدّ أن ينتبه الفلسطينيون، مسيحيين ومسلمين، لذلك مع وجوب محاربته".

ويرفض خضر النظر إلى المسيحيين على أنّهم "أقلية محميّة. هذه نظرة مرفوضة، إذ إنّ الوجود المسيحي تاريخي، والمسيحيون يريدون مشاركة كلّ الفلسطينيين في حماية البلد والوجود العربي عموماً". ويشير إلى أنّ "الكنائس تسعى إلى تعزيز الوجود المسيحي في فلسطين ورفض الهجرة، وثمّة اهتمام كبير بذلك". يضيف أنّ "ثمّة اهتماماً من قبل السلطة الفلسطينية ومن قبل المسلمين المثقفين والواعين لأهميّة الحضور المسيحي في فلسطين".




أسباب الهجرة

وتتعدّد دوافع هجرة الفلسطينيين المسيحيين، فيعيد أوّلها راعي كنيسة الروم الكاثوليك في مدينة نابلس، شمالي الضفة المحتلة، الأب يوسف سعادة إلى "الوضع الاقتصادي. فهو السبب الرئيسي لهجرة المسيحيين من الضفة الغربية إلى العالم العربي والعيش في دول توفّر لهم وضعاً اقتصادياً أفضل". لكنّه يشير لـ "العربي الجديد" إلى أنّ "الحروب في العالم العربي ككلّ صارت تمثّل مصدر خوف للمسيحيين".

ويتحدّث سعادة عن عامل أساسي آخر يدفع المسيحيين إلى الهجرة بعيداً، وهو "ما تروّج له الولايات المتحدة الأميركية والدول الأوروبية استكمالاً للمسلسل الصهيوني، عن الإسلام والإرهاب الذي يُمارَس في الوطن العربي. بذلك تحاول إبعاد المسيحيين عن وطنهم الأصلي وتفريغ فلسطين من سكانها ومواطنيها الأصليين". ويؤكّد أنّ "ثمّة مسيحيين يتأثرون بهذه الأسطوانة المقصودة من قبل الغرب، ويقرّرون بالتالي الهجرة والتوجّه إلى حيث يجدون الأمن والأمان." ويشدّد سعادة على أنّ "للاحتلال الإسرائيلي دوراً كبيراً في تهجير المسيحيين من فلسطين. فنتيجة الإغلاقات التي شهدتها الضفة الغربية خلال الانتفاضة الثانية، وتقسيمها إلى كانتونات صغيرة كعلب السجائر، تأثّرت بصورة كبيرة حياة المواطن الفلسطيني سواء أكان مسيحياً أو مسلماً، الأمر الذي دفعه إلى البحث عن بلد أكثر أماناً ورفاهية للعيش فيه".

ويوضح سعادة أنّ "ثمّة نوعَين من الهجرة، هجرة داخلية لا تتعدى مدن الضفة الغربية المحتلة، إذ يهاجر البعض من مدينة إلى أخرى، من قبيل هجرة المسيحيين من نابلس إلى رام الله أو بيت لحم، نظراً إلى وجود أكبر للمسيحيين هناك. أمّا الهجرة الثانية فهي خارجية إلى بلاد الغرب". ويلفت إلى "عدم توفّر إحصائية رسمية لعدد المهاجرين، بسبب عدم السفر العلني". ويقول إنّ "الهجرة الخارجية تؤثّر بصورة كبيرة على الوجود المسيحي في الأراضي المقدسة وتقلل من الكفاءات"، وهو الأمر الذي يعدّه "خسارة للكنيسة ولوجود المسيحيين في فلسطين التي يدور فيها صراع كبير ما بين الاحتلال الإسرائيلي والفلسطينيين عموماً، بعيدا عن الانتماء الديني". ويشدد سعادة على أنّ "العيش داخل الوطن بكرامة أفضل بكثير من العيش في بلد آخر".

ويبقى التهديد الحقيقي للوجود المسيحي في فلسطين هو الاحتلال الإسرائيلي الذي يحاول إضعاف دور الكنيسة لا سيّما في القدس، حيث تتعرض إلى حملة ممنهجة من قبل قوات الاحتلال والمستوطنين، الأمر الذي يدعّم فكرة الهجرة والرحيل بحثاً عن لقمة العيش. هذا ما يشير إليه الأب ثلجية الذي يؤكّد أنّ "عدد المسيحيين يتراجع في فلسطين نتيجة قلة فرص العمل والحصار والضيق وعدم القدرة على التنقل الذي يتسبب فيه الاحتلال". ويشرح أنّ "تراجع الموارد الطبيعية وقلة التواصل الاجتماعي والزيارات التي قضى عليها الاحتلال، هي ما يهدد الوجود المسيحي في فلسطين. ولأنّ الناس بمعظمهم يبحثون عن لقمة العيش ومصدر الرزق، فإنّهم يندفعون نحو الهجرة". ويحذّر ثلجية من "خطر كبير على الوجود المسيحي في فلسطين، وهي أرضهم التاريخية وأرض ميلاد المسيح. لذا يجب العمل على تشجيع الناس على عدم الهجرة واستقطاب من هاجروا للعودة والاستثمار في فلسطين".