المسلسلات السورية: الهروب نحو القضايا الاجتماعية

06 يونيو 2016
الصورة
صباح الجزائري - باب الحارة (LBCI)
+ الخط -
وجدت الأزمة السورية طريقها إلى العديد من الأعمال الدرامية لهذا الموسم، مع محاولة بعض تلك الأعمال مقاربة الأزمة وتحولاتها من زوايا مختلفة، اقتصادية واجتماعية وإنسانية، وتجنب مغامرة الخوض في تفاصيل البعد السياسي، المفجر الأساسي لكامل المأساة السورية.
وكان العام الماضي قد شهد تجارب ناجحة خلال الموسم الرمضاني، حاولت مقاربة الأزمات التي خلفتها الثورةا لسورية وما تبعها، ابرزها يبقى طبعاً مسلسل "غداً نلتقي" الذي لعب دور البطولة فيه كل من مكسيم خليل وكاريس بشار وعبد المنعم عمايري. ولاقي العمل نجاحاً باهراً، على اعتباره العمل الدرامي السوري الأول الذي ينجح في مقاربة أزمة السوريين ولخلافات بينهم واللجوء. ومع ذلك لاقى العمل أيضاً بعد الانتقادات على اعتبار أنّ كل اسقاطاته سطحية، وبعيدة عن معالجة عمق ما يحصل في سورية، وحقيقة الانقسامات.
أما هذا العام، فيبدو الوضع مختلفاً إذ يبتعد صناع الدراما عن مقاربة الازمة السورية لأسباب كثيرة ممكنة: الوضع الشائك، والخوف من إغضاب قسم من الجمهور، أو ربما بسبب عدم اختمار الرؤية الحقيقة لما يحصل على أرض سورية. لكن اللافت هذه السنة أن قسماً من الأعمال الدرايمة صوّر في الداخل السوري، وليس في بيروت أو دبي أو غيرها من المدن العربية كما حصل في السنوات السابقة، تحديداً في السنتين الأخيرتين. حيث كانت أغلب الأعمال تصوّر في لبنان، بيروت أم الجبل، نظراً لتقارب الجغرافيا والمناظر الطبيعية، مع الطبيعة السورية.
ونستعرض هنا أبرز الأعمال التي سنتابعها هذه السنة، وهي أعمال سورية تتراوح بين الكوميدي والاجتماعي والبيئة الشامية...

الندم

لعل مسلسل "الندم" للكاتب حسن سامي يوسف والمخرج الليث حجو، هو الأقرب لهذا السياق، عبر تناول حياة كاتب تلفزيوني، تتبدل به الأحوال مع ما تشهده سورية من تحولات جوهرية وتغيرات عاصفة، تدفعه إلى الانطواء والوحدة. وعلى ذات سياق موضوع الأزمة وانعكاساتها، يأتي مسلسل "بلا غمد" للمخرج فهد ميري الذي اختار موضوع الإرهاب، وربطه بوقائع المأساة السورية، وفق أجواء بوليسية، بينما يتجه مسلسل "البيت الكبير" إلى تناول سويات الأوضاع السورية المتدهورة، عبر رصد واقع الهجرة والنزوح والاغتراب.
وفي ذات التصنيف الاجتماعي للدراما السورية، يقدم المخرج حاتم علي الجزء الثاني من مسلسل "العراب" المقتبس عن رواية "ماريو بوزو" وكتابة خالد خليفة، في حين يتجه أيمن زيدان في تجربته الإخراجية الرابعة إلى رصد حياة امرأة حازمة ومتشددة، تهوى عالم المال والأعمال في مسلسل "أيام لا تنسى"، حيث تجسد الممثلة سوزان نجم الدين دور البطولة.
كذلك يعود الممثل رشيد عساف لتبوؤ دور البطولة في مسلسل "الغريب" الذي يشترك مع مسلسل "أحمر" ومسلسل "دومينو"، في تناول ظاهرة الفساد ومعالجته بطريقة بسيطة وسطحية في إعادة هذه الظاهرة إلى ظروف شخصية ونفسية فقط.

دريد لحام حاضر أيضاً

كما سيشغل الفنان دريد لحام دور البطولة في مسلسل "أحلى عالم"، وهو من إخراج السينمائي السوري محمد عبد العزيز الذي سيقدم عمله ضمن لوحات إنسانية عن الحياة السورية المعاصرة.
لكن يبقى اللافت هذا العام، قلة المسلسلات المنتمية إلى "البيئة الشامية"، واقتصارها على عدد محدود من الأعمال الدرامية، في الوقت الذي يتوقع أن يحصد مسلسل "خاتون" نسبة عالية من المشاهدة؛ وذلك بسبب مشاركة عدد من نجوم الدراما في تمثيل الأدوار المهمة في هذا العمل.
وذات الأجواء "الشامية" ستكون حاضرة في مسلسلات "حرملك" و"صدر الباز" والجزء الثالث من مسلسل " طوق البنات" للمخرج إياد نحاس، والجزء الثامن من مسلسل "باب الحارة" إضافة إلى مسلسل "عطر الشام".
وتشهد الأعمال الكوميدية هذا الموسم، تراجعاً واضحاً في قائمة المسلسلات المنتجة، مع اقتصار إنتاجها على ميزانيات ضئيلة وتكاليف غير مرتفعة، مثل مسلسل "سليمو وحريمو" لفادي غازي، ومسلسل "كونكان" لطلال مارديني، ومسلسل "شو القصة" لعلي ديوب، بينما يستمر المخرج سيف الشيخ نجيب في تقديم لوحات ناقدة من خلال مسلسل "بقعة ضوء" للموسم الثاني عشر على التوالي.

الغرام وأهله

كذلك تشهد الدراما السورية هذا العام، عودة الأجواء الرومانسية وقصص الحب، بإنتاج الجزء الثالث من مسلسل "أهل الغرام" الذي عرض جزؤه الأول عام 2006، وحضور المسلسل الجديد "نبتدي منين الحكاية" الذي يرصد قصة حب طويلة تستمر لمدة 15 عاما، وهو من بطولة سلافة معمار وغسان مسعود وإخراج سيف الدين سبيعي، إلى جانب أعمال رومانسية أخرى مثل "وجع الصمت" و"مدرسة الحب".

الدراما السورية ومشكلاتها المزمنة

على الرغم من الوفرة الإنتاجية التي بلغت هذا العام أكثر من 30 عملاً، إلا أن ذلك لا يدل بأي حال من الأحوال على تجاوز الدراما السورية عتبة التعافي من جملة أزماتها ومشكلاتها المتلاحقة، وبأنها باتت على مقربة من إنتاج أعمال "نوعية وفريدة"، في ظل الاعتماد على ذات الأسماء والوجوه والموضوعات المتكررة والمستهلكة.
ولعل أكبر المشكلات المزمنة في قطاع صناعة الدراما السورية، ترتبط بجانب التوزيع والتسويق، في ظل عدم وجود هيئة مستقلة، تقوم بهذه الوظيفة الاحترافية في وقت يستمر فيه التسويق عبر العلاقات والمعرفة الشخصية والمباشرة مع قنوات البث، وبدون أي سند مؤسساتي، الأمر الذي يفتح باب المضاربة والمنافسة "غير الشريفة" بين الشركات الإنتاج السورية في السوق العربية للدراما، مثلما يبقي إدارة عمليات التسويق، بصورة عامة، تحت رحمة ووصاية، عقلية ومنطق "تجار الشنطة"، الباحثين على الربح السريع والوفير.
صحيح أن الساحة الدرامية السورية لا تفتقر إلى المواهب والكفاءات، غير أن النزوع إلى الربح السريع، والنمط الاستهلاكي الطاغي يوقعها، أحيانا، في مشاكل التسطيح والاستسهال، مع تلبية رغبات أصحاب رأس المال وتوجهاتهم، والابتعاد عن الهاجس الفني في تقديم ما هو مميز وجميل.
والحقيقة أن هذه الخطورة تزداد مع افتقاد الدراما السورية لمؤسسات مهنية حقيقية، تقوم على احتضان صناعة الدراما وكوادرها، في ظل تحول "نقابة الفنانين" إلى جهاز رقابي وأمني مختص في إصدار "الفرامانات" و"شهادات حسن سلوك في الوطنية البعثية".
ويضاف إلى ذلك ما تعانيه الدراما السورية من مشكلات تتعلق بما يمكن تسميته "بأزمة النص" وتكرار الموضوعات، صحيح أن هناك بعض الاستثناءات المميزة في هذا الجانب، إلا أن آلية الإنتاج الدرامي السوري بشكل عام وقع في هذا الجب، وهو ما قد يجعلها عرضة لفقد رصيدها على الساحة العربية، مع بروز الدراما الخليجية وعودة المصرية إلى الواجهة.
في هذا الاتجاه يمكن القول إن أهم المشكلات الحالية، ناتجة عن الانسياق وراء صيغة تنميط الأدوار والشخصيات، وخاصة مع مسلسلات المنتمية إلى "البيئة الشامية"، التي تفتقر إلى "سلطة إقناع" حقيقة تخرج شخصياتها من عوالمها المرسوم وفق تصور طفولي يتم من خلالها تقسيم الشخصيات بين الخيرة أو الشريرة بالمطلق.
يضاف إلى كل ذلك، مشكلة تكريس الصورة النمطية في ذهنية العامة من الناس حول دمشق في تلك الأعمال الدرامية، إذ يتم تقديمها كمدينة لا تحمل أي صيغة من التنوع، والتباين في التجاذبات السياسية والمعرفية والدينية والطبقية، إنها "يوتوبيا" مدينة مجردة من التاريخ السياسي، ويقتصر كل فضاءها السياسي والعام على اجترار قصص مملة تتعلق بالاستعمار الفرنسي ومقاومته.
مثلما لا تكف بعض تلك المسلسلات في بث رسائل سلبية، بما يتعلق بعلاقة الرجل بالمرأة في مجتمعاتنا. إذ تتم شيطنة المرأة ووجوب تعنيفها وتطويعها لرغبات وتصورات الرجال وسلطتهم.
وتبقى المشكلة الأهم والخارجة عن إرادة، قطاع الدراما، هي المتعلقة بالجانب النقدي، حيث لا يتم تقييم الأعمال المنتجة وفق قواعد ومراجعات احترافية في مجال النقد الفني الحديث، إلا ما ندر بينما تنحو أغلب المواد الصحفية والإعلامية المتعلقة بهذا الشأن نحو اختصار شؤون الدراما وعوالمها بالمادة الخبرية، التي تكتفي بذكر الجهة المنفذة والمنتجة، واسماء للممثلين والممثيلات من دون الخوض في التقييم الحقيقي والنقدي لهذه الأعمال الدرامية.

المساهمون