المستشفى الإنكليزي... باقٍ في يافا رغم التهجير

المستشفى الإنكليزي... باقٍ في يافا رغم التهجير

11 يناير 2017
الصورة
مبنى المستشفى الإنكليزي (العربي الجديد)
+ الخط -

أشارت المصادر التاريخيّة إلى وجود العديد من المستشفيات داخل وخارج يافا القديمة في القرن التاسع عشر. بعضها مارس العمل كمستشفيات حكوميّة (المارستان). وبعضها استعمل كمستشفى لعزل المصابين في المعارك (الكرنتينا) والبعض الآخر كان يستعمل كمستشفى ومركز نقاهة ودار ضيافة مثل كرنتينا دير الروم أرثوذكس ودير الأرمن الذي اشتهر زمن غزو جيوش نابليون بونابرت عام 1799 على يافا، وتفشّي المرض في صفوف جنوده الذين وضعوا في كرنتينا دير الأرمن.

كما تم بناء مستشفيات من قبل الجاليات الأجنبيّة في يافا مثل مستشفى مستعمرة سارونا الألمانيّة والقائمة شمال شرق مدينة يافا والتي أصبحت بعد نكبة عام 1948 مركزاً للقيادة الإسرائيليّة.
وهناك أيضاً المستشفى الفرنسيّ القائم في أقصى جنوب شرق البلدة القديمة، والذي كان ملكاً لراهبات مار يوسف لمدّة طويلة من الزمن، وفي الآونة الأخيرة يتم تحويله إلى فندق فخم.
بالإضافة إلى المستشفى الحكوميّ الذي بني على أطلاله "مركز بيريس للسلام" في حيّ الجبليّة جنوبي غرب المدينة، والمستشفى البلديّ في نفس الحي ومستشفى الدجّاني الذي أقيم عام 1933 من قبل الطبيب فؤاد الدجّاني الذي توفيّ إثر تلوث انتقل إليه من جسم أحد المرضى في عام 1945 وما زال قبره متواجداً حتى يومنا هذا.
أمّا المستشفى الإنكليزي القائم في حي دولة الملاصق لحي العجمي، فهو ثاني أضخم وأفخم المستشفيات التي بنيت في النصف الأوّل من القرن العشرين في فلسطين بشكل عام ومدينة يافا بشكل خاصّ (الأوّل كان المستشفى الفرنسي الذي أقيم في أواخر القرن التاسع عشر والذي ضم 140 سريرًا).


تصميم المستشفى كان مميَزاً بحيث كانت له خمسة مداخل، مدخل رئيسيّ من الجهة الغربيّة ومدخلان من الجهة الشماليّة ومدخلان فرعيان من الجهة الجنوبيّة، ربما تم استعمالهما للطاقم والعمّال في المستشفى. كما احتوى على عشرات الغرف وسبعة وخمسين سريرًا توزّعت على طابقين، وكان جزءاً كبيراً من الطابق العلويّ يحتوي على شرفة تطل على شارع الحلوة الرئيسيّ.
هذا المستشفى مثل باقي المستشفيات الأجنبيّة التي بنيت في يافا، كان تابعاً للإرساليّات التبشيريّة التي بدورها لم تكتفِ فقط ببناء المستشفى، بل شيّدت في العشرينيّات من القرن العشرين كنيسة مار بطرس بالقرب من المستشفى، وكانت الطائفة الإنجيليّة في يافا في قمّة عطائها للبلد وأبنائها حتى عام النكبة، بحيث توافد أبناؤها إلى الكنيسة أسبوعياً بالإضافة إلى المدرسة (CMS) التي بنيت أمام المستشفى والكنيسة، والتي تمّ هدم جزء كبير من مبناها، بعد أن كانت تخدم بنات وأبناء المدينة لسنوات ليست طويلة إذ كانت اللغة الرسميّة في منهاجها هي اللغة الإنكليزيّة التي كانت أيضًا اللغة الرسميّة في مدرسة طابيطا الاسكتلنديّة الكائنة حتى يومنا هذا، والقائمة أمام المستشفى الفرنسيّ.

ومن الجدير بالذكر أنه بالجانب الغربي للمستشفى الإنكليزي، شيّدت في نفس الفترة عزبة مكوّنة من مبنى ضخم ذي طابقين، بالقرب منه تتواجد بئر غير عميقة كانت تُجمع فيها مياه الأمطار الوافرة في تلك الحقبة التاريخيّة، والتي كانت تستعمل لريّ الأرض المحاذية للمستشفى وللبستان الكبير المتواجد داخل جدران المستشفى، والذي كان يتعافى في رحابه المرضى ويتمتّع بظلال أشجاره العديدة وكأنه بستان قصرٍ لإحدى العائلات الغنيّة.


مساعي الترميم

وفي الآونة الأخيرة يتم الحديث عن ترميم هذا المبنى العريق من قبل الشركة لترميم المباني القديمة، والتي تعمل بالتعاون مع بلديّة تل أبيب يافا وبجعبتها العديد من الترميمات لمبانٍ قديمة وعريقة في كل أنحاء يافا وقضائها (انظر تقرير بيوت البيارات التاريخيّة في يافا بين الهدم والترميم) وهدفها الوحيد هو دمج البناء الحديث مع البناء القديم، وذلك من أجل رصد مكاسب للشركة التي تتعاون مع مقاولين وشركات إسكان يهوديّة تتاجر في مشاريع السكن الحديثة مقابل مبالغ هائلة يعجز عن شرائها العرب الفلسطينيون في يافا والمنطقة، وبهذه "العمليّة التجميليّة" للمباني الفلسطينيّة العريقة يتم جني أرباح طائلة تأتي لحساب تلك الشركات الإسرائيليّة.

أما مبنى المستشفى الإنكليزي، فما زال قائمًا حتى يومنا هذا، ولكنه مثل باقي مستشفيات يافا، والذين وصل عددهم إلى خمسة مستشفيات ومستوصف واحد تحت اسم مستوصف فيصل، تم إغلاقهم وتحويلهم إلى مستشفى "دونولو" من بعد النكبة ومن ثم في الستينيات من القرن الماضي تم نقل "دونولو" إلى مستشفى "فولفسون" القائم على أراضي سكنة تل الريش.


وفي حديث مع أحد السكّان القاطنين بالقرب من المستشفى، قال إن هنالك مالكاً جديداً للمبنى وهو من سكّان إنكلترا، والذي بدوره اقتنى المبنى من يهودي فرنسيّ الأصل الذي اشتراه آنذاك من الكنيسة الانجيليّة، وربما هذا الشخص مقرّب للكنيسة لأننا نسمع إشاعات عن إعادة الحياة الكنسيّة في كنيسة مار بطرس المحاذية لمبنى المستشفى، الأمر الذي لا نستبعده لأن الكنيسة الإنجيليّة لم تتنازل عن أملاكها رغم مرور السنوات، وحتى يومنا هذا ما زالت أوقافهم تحت سيطرتهم بغض النظر عن عدم وجود رعيّة في يافا منذ عام 1948".