المسافة صِفْر

03 اغسطس 2014
الصورة

في عالم الأصفار العربية، عديمة القيمة والمعنى، ثمّة صِفْرٌ لافت، يتكبّد وحده مشقّة إعادة تعريف الأشياء من حولنا، في محيط خانعٍ كسولٍ ومهزوم، ينتظر التعريفات المعلّبة كل صباح، يضع عقله على قارعة الطريق، بانتظار حافلات الإعلام والثقافة والدين الرسمية، تشحن يومياً كتلة الفراغ الكبيرة في تجويفاته، وتقوم بالمهمة المطلوبة، جرعة خوف لازمة، جرعة ترغيب، تهديد، جرعات من التفاهة والكذب والحقارات. المهم أن تملأ هذه الهوّة بشيء ما، ليستهلكها، من دون أدنى محاولة للتشكيك أو التدقيق، فوطأة الفراغ صعبة ومؤلمة.

في الحرب على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، كان الصِّفرُ حاضراً وبقوة، في كل بيان من بيانات القسام، والتي هي أكثر من مجرد تفصيل يومي لمجريات المعركة. صار الرقم عديم القيمة أكبرَ وأكثرَ بروزاً من أقرانه، لا يحمل معنىً على نحوٍ مفاجئ هذه المرّة، بل يحمل كل المعنى، وقد كنّا بحاجة ماسّة لذلك. المعادلة الصفرية سبيلنا الوحيد للقطع مع ما مضى، هدم البناء برمّته على رؤوس أصحابه، ومحاولة تشييد بناء جديد.

لقد التحمت كتائب المقاومة مع العدو من المسافة صِفْر! ونتج ما نتج، ولكم أن تتخيّلوا مقابلة العدو وجهاً لوجه هذه المرّة، عند المسافة صفر. الفلسطينيُّ حاملاً بندقيته التي قاتل طويلاً للحفاظ عليها، وقاتل للحفاظ على حق حَمْلها، وعلى حياة الفكرة التي تدفعه لمواجهة عدوه وعدم الاستسلام له، في ظلِّ الصور التي لا يمكن انتزاعها من ذاكرته، صورة الأحضان المتبادلة بين "قيادته" المفترضة والعدو، طوابير شعبه المحاصر عند المعبر "العربي" الوحيد لهذا الجزء من بلاده، مغلقاً، وعلى الطرف الآخر مَن يحمل البندقية في وجه الجرحى والعَجَزة والطلبة وأصحاب الحاجة من أبناء قطاعه المحاصر، وصور البيانات التي خذلته، والمؤامرات التي حيكت ضده، وصور شهدائه الذين قتلهم المحتل، صورة صورة.

يقف المقاتلُ، وقد أعدم المسافة بينه وبين العدو، لا عقبة، الآن، في وجه معركته المستحقة. والجندي المقابل وحده، عارياً من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وبلا غطاء عربي سياسي في هذه اللحظة. الشجاعة والإيمان والحق فقط هي أدوات هذه المواجهة، وفيها تستوي "الميركافا" مع بنادق المقاومين الفردية، وفيها يسهل القضاء على هذا المعتدي، وجرّه كالشاة إلى الأنفاق، وتحطيم قلب المؤسستين الرسميتين، الصهيونية والعربية، إذ تخيب آمال الفتك بالمقاومة، وتسقط ادّعاءات ضعفها، ويتبخّر الحديث عن الأثمان الباهظة التي تدفعها نتيجة هذا الخيار.
 
إنها المسافة صِفْر، المواجهة المباشرة مع العدو، في الجهتين بالطبع، لحظة التخلّص من كل الأوهام، وسقوط كل غطاء. لم يعد هناك ما يستحق الرهان عليه، ولا الصبر أملاً في صحوته، أو المداراة لخاطره. هذا العالم لا يدرك إلا لغة واحدة، وبنادق القسام تتقن هذه اللغة جيداً، وتقدّم دروسها اليومية لهذه الأمة المهزومة: نحن لا نستسلم أبداً، ننتصر أو نموت.


 

تعليق: