المساعدات الدولية للفلسطينيين... هدية ملعونة

04 ديسمبر 2016
الصورة

مساعدات لغزة من وكالة الولايات المتحدة للتنمية (15/8/2015/فرانس برس)

تفيد الإحصاءات الدولية المتاحة بأن أكثر من ثلاثين مليار دولار أميركي قد تم صرفها على ولصالح الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، منذ إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية قبل ما يزيد عن عقدين. وضع هذا "الاستثمار في السلام والتنمية"، كما يُحاجج المانحون، الفلسطينيين في مقدمة المتلقين للمساعدات الدولية غير العسكرية على مستوى العالم أجمع؛ إذ بلغت هذه المساعدات حوالي عشرين مليار دولار ما بين الأعوام 2006 و2014، بمعدل سنوي يقدر بحوالي 2.2 مليار دولار، وبمعدل 560 دولارا للشخص سنوياً.
ولكن، وعلى الرغم من هذه الأرقام المريبة نسبياً، ما زال السلام والتنمية بعيدي المنال، وتحققهما مستحيل في ظل الإطار السياسي الحالي، والذي يسجل الفشل تلو الآخر. أضف إلى ذلك أن منظومة المساعدات الدولية فشلت فشلا ذريعاً بتحقيق أهدافها الثلاثة المعلنة؛ إذ أنها لم تحقق سلاماً دائماً، ولم تبنِ مؤسسات فلسطينية فعالة، ومساءلة للشعب الفلسطيني، ولم تحقق أي شكل من التنمية الاقتصادية-الاجتماعية المستدامة. يتمثل ما حققته منظومة المساعدات الدولية بامتياز بفرض أمر واقع على الفلسطينيين، تزداد فيه المساعدات الدولية باضطراد. وفي المقابل، تتدهور المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية بشكل مخيف. إذن، ثمّة معادلة خطية واضحة (زيادة المساعدات الدولية ترافقت مع هبوط في مستويات للعيش للفلسطينيين) بحاجة للتغيير الفوري.
هذا التغيير ضروري وجوهري في ظل الفشل الذي سطّرته منظومة المساعدات الدولية بالوجه القاطع، وغير القابل للشك، على الرغم من إنكار ساسة السلطة الفلسطينية وخبراء البنك الدولي لذلك. ولكن، يبدو أن كلا الطرفين المروّجين منظومة فاشلة والمتبعين لتفاصيلها وكأنها "كتاب مقدّس"، يعيشون في مجرّة أخرى أو في فقاعة كبرى. إذ فشلت هذه المساعدات الدولية في تحقيق أي قدر من الأمن والأمان للفلسطينيين، وفشلت في عكس حلقات الفشل اللاتنموي، وجذّرت شكل الاقتصاد الفلسطيني اقتصاداً تابعاً ومختلاً وغير منتج ومعتمد بالمطلق على
المعونة، وخلقت اختلالات بنيوية في نظام الحوكمة والحاكمية، وأدامت ودعمت الاحتلال العسكري الإسرائيلي للأرض الفلسطينية. ليس هذا فحسب، بل إن هذه المساعدات قد أدامت ودعمت السلطة الفلسطينية ومشروعها، والذي يشكل حملاً ثقيلاً على ظهر الفلسطينيين، كما نتج عنها تحولاتٌ سلبيةٌ عميقةٌ في سلك عمل القطاع الأهلي، والذي بدوره أوجد "جمهورية للمنظمات غير الحكومية" في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين، والتي تستلم حوالي 10% من مجمل المساعدات الدولية للفلسطينيين. كيف تستطيع قيادات السلطة الفلسطينية وخبراء البنك الدولي إنكار هذه التحولات وأوجه الفشل هذه، يبقى سؤال برسم الإجابة والإرادة الشعبية.
وبالتالي، المحاججة أن المساعدات الدولية هي "هدية للفلسطينيين"، ويجب قبولها من دون اشتراطات واهية وإشكالية ومليئة بالتوترات والتناقضات، فالثقل والعبء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لهذه "الهدية"، وما ينتج عنها من تبعات وعواقب، هم أكبر بكثير من "الهدية" نفسها. وبالتالي، هذه "الهدية" ملعونة باتجاهين، فهي تلعن المانح وتلعن المتلقي. ثمة من يحاججون بأن مجرد منح المساعدات، في ظل الإطار السياسي القائم، هو تعبير عن درجة التضامن العالية مع الفلسطينيين. هذه محاججةٌ أخرى مرفوضة جملة وتفصيلاً، وتنم عن جهل مطلق بالحالة الفلسطينية، فليست منظومة المساعدات الدولية القائمة بريئة، وهي، في حقيقة الأمر، أنتجت حالةً من التضامن العكسي، أو اللا-تضامن مع الفلسطينيين، وما رافق هذه الحالة من تبعاتٍ مدّمرة على المشروع الوطني والمجتمع الفلسطيني.
كما أن الفهم النظري للمساعدات كهدية هو فهمٌ ملتبسٌ، ويغيّب فهم المساعدات حقاً والتزاماً. وإن افترضنا جدلا أن المساعدات هدية، فعملية تبادل الهدية هذه تتطلب فاعليْن، هما المانح والمتلقي، ولكن في الحالة الفلسطينية، فإن المستفيد الأكبر من هذه "الهدية للفلسطينيين" في حقيقة الأمر طرف ثالث (المحتل الإسرائيلي). إذ أوضحت آخر الأبحاث في هذا الإطار إلى أن نسبةً عاليةً من المساعدات الدولية للفلسطينيين يعاد توجهيها بشكل مباشر وغير مباشر للاقتصاد الإسرائيلي (قد تصل هذه النسبة لغاية 78% من إجمالي المساعدات). وفي هذه الحالة، فإن المساعدات الدولية المقدمة للفلسطينيين في ظل الديناميكيات القائمة لصناعة المساعدات والمصممة من البنك الدولي قبل أكثر من عشرين عاماً تشكل هديةً كريمةً ومجانيةً لإسرائيل، ولاحتلالها العسكري، ولمشروعها الاستيطاني الكولونيالي، والذي يشكل بدوره نقمة ولعنة على الفلسطينيين.
وعلى الرغم من كل هذه المعطيات، إلاّ أن اللاعبين الفلسطينيين، سواء من القطاع الحكومي أو غير الحكومي، يرفضون أو لا يرغبون، أو ليسوا بالقادرين على التوقف عن لعب لعبة المساعدات الدولية المضّرة بمجملها للفلسطينيين. وبالتالي، هم أيضاً جزء من المشكلة بقبولهم "الهدية الملعونة" فرحين، في أغلب الأحيان، ومتغنين بها، بدلا من مجابهة الاشتراطات المرتبطة بها، ومواجهة افتراضاتها وأهدافها وطرق تسليمها وتوزيعها والإطار الأشمل لتلقي هدايا كهذه.
يمكن التخلص تدريجياً من لعنة المساعدات، لكن الفوائد المتحققة للنخب السياسية الفلسطينية 
ونخب المنظمات الفلسطينية غير الحكومية ومجتمع المانحين أيضاً تمنع وتصد أي إصلاحٍ جوهريٍّ ذي معنى لمنظومة المساعدات الدولية التي نشأت مع اتفاقية أوسلو. إذ تمعن أصوات فلسطينية حكومية وغير حكومية عديدة بالمكابرة، والادّعاء بأنهم من يخطون أجندة التمويل وأولوياتها، ويرفضون شروط المانحين. كَبُرَ هذا الادعاء إلى حد تصديقه، والإيمان المطلق به، مع العلم أن الدلائل والقرائن المتوفرة تثبت عكس ذلك بالضبط. هذه الأصوات، والتي تخدم نفسها بشكل شخصي أو مؤسساتي بالأساس، منكبة على كتابة التقارير الفنية للمانحين واختلاق أشكال عدة للاستجداء والتسول.
بالطبع، لا يمكن وضع كل المؤسسات الفلسطينية غير الحكومية في سلة واحدة، فثمّة تباينات بينهم، وثمة قصص نجاح حبذا لو تصبح الاستثناء بدل القاعدة. ولكن، يمكن الاستنتاج بسلام وثقة بأن النجاحات المبعثرة على المستوى الصغير (المايكرو) والمحتفى بها في تقارير ورسائل وفيديوهات وصفحات التواصل الاجتماعي للمؤسسات المغروسة في صناعة التمويل إنما هي "نجاحات" ساخرة، بل وسوريالية، إن وضعت في الإطار الأعم والأكبر (الماكرو) للفشل. فالفشل في إعادة بناء قطاع غزة واستدامة التشرذم والتشظي الفلسطيني، والفشل في إيقاف حالة اللا-تنمية أو الاعتمادية المطلقة على التمويل، هي بضعة أمثلة، تشير إلى عجز الفاعلين المغروسين في صناعة المساعدات، فبدلاً من عنونة الاختلالات الجذرية وإصلاح أو إعادة خلق نظام المساعدات، يجد الفاعلون (المانحون والممنوحون) أنفسهم منهكين بعملياتهم وبيراقراطيتهم وتقاريرهم، والتي "تعميهم" عن الصورة الأكبر والأعم، والتي لا يرغبون أو يستطيعون تغييرها.
أخيراً، ثمّة دور معقد نسبياً للعواطف والمشاعر في عملية منح المساعدات واستلامها. فالاستعمار الإسرائيلي ليس أزمة إنسانية، تسترعي وتثير شعورا من الرحمة والشفقة في قلوب الجهات المانحة، وتدمير غزة ليس نتاجاً لكارثة طبيعية، وإنما كارثة من صنع الإنسان نفسه، والفقر في فلسطين مسببه ومنشأه سياسي بالأساس وبالجوهر. وبناء عليه، ليس عدم فعالية المساعدات الدولية نتاجاً للإخفاقات التقنية والفنية، ولا هو نتاج لفشل تحويل العواطف النبيلة لعاملي صناعة المساعدات إلى أفعال ملموسة ذات معنى.
فالشعور بالأسف على حال الفلسطينيين، وعدم القدرة أو الرغبة بتحدّي ومواجهة ديناميكيات القوة ومجابهة الوضع الراهن المدمر لصناعة المساعدات وللاحتلال العسكري الإسرائيلي تضيف طبقة أخرى من التعقيد لمنظومة المساعدات الملعونة، تتمثل باستخدام العواطف والمشاعر المدفوعة بالرحمة والشفقة، للتغطية على شعور الذنب. بالطبع، هذه ليست محاججة ضد العاملين أنفسهم، كأفراد في صناعة المساعدات، وإنما هي محاججة بأن عواطف ومشاعر العاملين في صناعة المساعدات، مانحين كانوا أم متلقين، هي مملاة ومفروضة بموجب هيكليات جامدة، تخدم نفسها بالأساس، ومؤطرة بنظام يسبب الضرر للفلسطينيين بشكل لحظي ويومي، بإنكاره الحق الفلسطيني في التنمية وتقرير المصير.
ستستمر الحلقة المفرغة هذه (المساعدات مقابل الألم، والألم مقابل الحصول على المساعدات) في إعادة إنتاج ذاتها، وبشكل أقسى مع مرور الوقت حتى اللحظة التي يتم فيها دفن نموذج معونة "أوسلو"، ويعاد إيجاد نظام مساعدات دولي للفلسطينيين، يأخذ كرامة الفلسطينيين على محمل الجد، ويضعها في صلب النظام الجديد. ولكن الخطوة الأولى لعملية إعادة الخلق هذه هي بيد الفلسطينيين أنفسهم، لأن كرامتهم هي التي دوماً على المحك.