المرزوقي و"النهضة": القطيعة

31 مايو 2016
الصورة

المرزوقي والغنوشي في قصر قرطاج.. الحوار والتواصل (20 فبراير/2013/أ.ف.ب)

+ الخط -
اتسعت رقعة الخلاف كثيراً في تونس، بين الرئيس السابق، المنصف المرزوقي، وحركة النهضة، حتى أصبح بالإمكان القول بوجود قطيعة بين أصدقاء الأمس. ولم يقف الأمر فقط عند رفض المرزوقي حضور جلسة افتتاح المؤتمر العاشر للحركة، قبل أيام، وإنما تعدّدت تصريحاته ضد حلفائه السابقين بشكل لافت للنظر. وقد برّر ذلك بقوله "حضوري في المؤتمر سيكون نفاقاً، والنفاق ليس من طبعي ولن يكون".
كانت تربط المرزوقي والغنوشي علاقة وثيقة، في السنوات الأخيرة من حكم الجنرال بن علي، فالمرزوقي من النشطاء والسياسيين القلائل الذين رفضوا الخضوع لفيتو الرئيس السابق الذي كان "يحرّم" مجرد الالتقاء بالغنوشي في أي مكان، بحجة أن ذلك مؤامرة كبرى ضده وضد أمن البلاد. وأذكر أني حضرت في التسعينيات المؤتمر القومي الإسلامي في بيروت، وحضره الشيخ راشد الغنوشي، فتم تفتيشي في المطار لدى عودتي، كما استنطقني البوليس السياسي، وسحب مني جواز سفري ستة أشهر.
بعد الثورة، كانت نية الغنوشي متجهةً نحو ترشيح، أحمد نجيب الشابي للرئاسة. وقد أكد لي هذا الأمر، لكن خلافاً حصل بين الرجلين، بسبب تفاعل الشابي مع الخطاب الأخير الذي ألقاه بن علي قبل رحيله، ثم قبول الشابي منصب وزير في حكومة محمد الغنوشي، وهو ما انتقده بشدة رئيس حركة النهضة الذي قرّر بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي التحالف مع حزب التكتل وحزب المؤتمر بزعامة المرزوقي الذي آلت إليه رئاسة الجمهورية.
اتسعت الفجوة بين الطرفين، في أثناء حكم الترويكا، إلى أن هاجم المرزوقي حركة النهضة بشدة علناً. وهو اليوم يتهمها صراحة بـ "خيانته" في أثناء الانتخابات الرئاسية، واعتبر أن الغنوشي خدعه، عندما كان (المرزوقي) رئيساً، في عدم إعلامه باختياره حلفاء آخرين، ويقصد الباجي قايد السبسي.
لم يقف تحليل المرزوقي عند حركة النهضة، وإنما عمم حكمه بالقول، إن الحركات الإسلامية دخلت مرحلة الجزر، وإنه "كم هو مضحك مبكٍ أن نرى الإسلام السياسي، اليوم، بشقيه، المسلح والمدني، داعماً للمنظومة القديمة، كل تيار بآلية مختلفة والنتيجة واحدة.
فعوض أن يوثق الإسلام السياسي المدني تحالفاته مع القوى الحاملة مشاريع المستقبل، نراه، في أكثر من بلد عربي، يسعى إلى أن يُقبل به شريكاً داخل المنظومة التي انتفضت ضدها شعوب الربيع العربي، وذلك بعد أن سلّم بعجزه عن أن يكون لها بديلاً". كما اعتبر أن "جل الأحزاب الإسلامية انقلبت إلى أحزابٍ يمينيةٍ، تبحث عن موقع في السلطة، ولو بثمن التناغم مع إملاءات الخارج ورأس المال الفاسد وغير الفاسد، أي بكل الوسائل للسياسة المكيافيلية الكلاسيكية". وحكم عليها بـ "السقوط النهائي لمعادلة (الأسلمة) و(الأخلقة)، حيث لم تنجح هذه الأحزاب في "أخلقة" السياسة، كما ادعت طيلة فترة المدّ، وكما أمل كل الذين ساندوها، وإنما نرى، على العكس، أن السياسة هي التي نجحت في "مكيفلة" الأحزاب الإسلامية".
لقد أسدل الستار على هذه العلاقة التي هشّمتها الحسابات المتضاربة، والعلاقات غير المتكافئة، وهو ما جعل كل طرفٍ يختار لنفسه حليفاً بديلاً. ومما زاد في رد فعل حركة النهضة أن المرزوقي عمل، ولا يزال، على استمالة جزءٍ من قواعد النهضويين الذين يصفهم بـ "شعب النهضة"، بهدف تأثيث تنظيمه الجديد، خصوصاً وأنه يهيء نفسه للترشح لانتخابات 2019. وهي محاولةٌ لن يغفرها له الغنوشي ومن معه.
كم هي مؤلمةٌ الفواتير الثقيلة التي يضطر لدفعها السياسيون، عندما يخطئون التقدير، أو يندفعون إلى التضحية بشيء من ذواتهم، عساهم يصلون إلى بعض أهدافهم. وتونس اليوم حقل للتجارب والمغامرات، سقط كثيرون، ويستعد بعضهم لإعادة المحاولة، لكن المؤكد أن الحسابات الصغيرة غلبت الطموحات الكبيرة، وفرضت على الجميع الالتزام بسيناريوهاتٍ لم تكن متوقعةً في مرحلة الاندفاع وراء الشعارات القافزة على الواقع.