المرحلة الثانية من إعادة هيكلة "إعلام السيسي"... وداعاً للسياسة

06 اغسطس 2018
الصورة
ملف لميس الحديدي على مكتب عباس كامل (فرانس برس)
بدأت الدائرة الاستخباراتيّة - الرقابيّة، الخاصة بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مرحلةً جديدةً في إطار خطّتها لإعادة هيكلة الإعلام المصري، عبر إلغاء البرامج والقنوات ذات الطبيعة السياسيّة في المؤسسات الإعلاميّة الخاسرة التي تستحوذ عليها المخابرات العامّة ووزارة الداخليّة بشكل أساسي، وبدء اعتماد سياسة برامجيّة جديدة تقوم على توجيه الأموال للمحتوى الترفيهي والاجتماعي، وبالتالي الابتعاد عن نمط "التوك شو السياسي" الذي ساد جميع الفضائيات المصريّة منذ ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011.


يُمكن وصف المرحلة الجديدة من خطّة إعادة الهيكلة بـ"وداعاً للسياسة". فبحسب مصادر داخل قنوات "سي بي سي"، "أون تي في"، و"العاصمة"، المملوكة جميعها لـ"أجهزة سياديّة" بواسطة شركات استثماريّة خاصة، صدرت التعليمات بإلغاء جميع البرامج ذات الطبيعة السياسيّة والجادّة، الأمر الذي استدعى البدء في وضع خريطة برامجيّة جديدة، خصوصاً بالنسبة إلى مجموعة قنوات "سي بي سي" التي كانت تُعرف بأنها أحد أقوى المنابر الإعلاميّة التي مهّدت لانقلاب 3 يوليو/ تموز 2013، وأيّدت السيسي على طول الخط، حتى بعد استحواذ المخابرات على حق إدارة المجموعة وصحيفتها "الوطن" من قبل رجل الأعمال محمد الأمين، قبل عام.
وتتّجه المجموعة حالياً لإغلاق القناة الرئيسيّة فيها وهي "سي بي سي"  (العامة)، والاكتفاء بقناة إخباريّة واحدة هي "إكسترا نيوز"، وتحويل مسار برنامج "التوك شو" الرئيسي فيها، الذي تقدّمه الإعلامية لميس الحديدي، من الاتجاه السياسي والاقتصادي إلى الاتجاه الاجتماعي والشبابي، الأمر الذي تتفاوض عليه لميس (وهي زوجة الإعلامي عمرو أديب) مع الأجهزة في الوقت الحالي، في ظلّ شائعات انتشرت في الفترة الأخيرة عن أنّها قد لا تعود من إجازتها السنويّة المقرر انتهاؤها في سبتمبر/ أيلول المقبل، إذا لم تتوصّل إلى حلّ يضمن استمرارها في الواجهة.
وأوضحت المصادر لـ"العربي الجديد" أنّ مشكلة لميس الحديدي مطروحة على مدير المخابرات الحالي ومكتب السيسي سابقاً اللواء عباس كامل، بشخصه، إذ تحظى لميس بثقته وثقة السيسي منذ سنوات، بل ويحلو للبعض وصفها بأنها من "مفجّري 30 يونيو/ حزيران"، لدورها الكبير في حشد المتظاهرين ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، كما أنها نجحت في "تغيير جلدها" بسرعة مع التغيّرات السياسيّة. فتركت معسكر نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك ولم تتمسّك بفرص نجله جمال في العودة إلى المشهد السياسي، رغم أنّها عملت يوماً مستشاراً إعلامياً لجمال، ولحملة مبارك الانتخابية.



أما في شبكة "أون" المملوكة لشركة "إعلام المصريين" التابعة بدورها لمجموعة "إيجل كابيتال" (إيغل كابيتال) فبعد غلق قناة "أون لايف" الإخباريّة وانتقال المذيع السياسي الأول بها عمرو أديب إلى "إم بي سي السعودية" خلَت القناة تماماً من الإعلام السياسي، ولم تعد فيها أي فترات بثّ على الهواء، ما أثّر على نسبة مشاهدتها بشكل "قياسي"، بحسب مصدر بالشبكة، ما يدفع مسؤولي القناة حالياً إلى إنتاج محتوى درامي وفني، فضلاً عن زيادة المحتوى الرياضي بإضافة قناة جديدة، والتعاقد مع الإعلامي الشهير أحمد شوبير وبعض المحلّلين الرياضيين، ليكونوا بدلاً عمّن انتقلوا إلى مشروع "بيراميدز" الذي يملكه ويديره رئيس هيئة الرياضة السعودية، المستشار في الديوان الملكي، تركي آل الشيخ.
أما قناة "العاصمة" فستعود على الأرجح إلى مالكها الأصلي النائب البرلماني سعيد حساسين الذي طالما عرف بتقديم برامج العلاج بالأعشاب والطب البديل، مع إلغاء البرامج ذات الطابع السياسي منها، الأمر الذي كان يعارضه المتحدث العسكري السابق العميد محمد سمير الذي كانت قد أسندت إليه إدارة هذه القناة في العام الماضي، لكنّه فشل في تعويض خسائرها الماليّة أيضاً.
أما في قناة "الحياة" التي استحوذ عليها النظام ممثلاً بشركة "فالكون" ثم شركة "إعلام المصريين"، فقد أخطرت العاملين لديها أيضاً بإلغاء جميع البرامج السياسيّة، والتركيز في الفترة المقبلة على إعداد برامج ترفيهيّة وفنيّة بتكلفة ضئيلة. والأمر نفسه حصل في قناة "إل تي سي" التي كانت قائمة على بعض البرامج الرياضية التي انتقل مقدموها إلى مشروع تركي آل الشيخ.



أكّدت المصادر أنّ السبب الرئيسي وراء اتّجاه النظام لإلغاء السياسة، حتى في القنوات المؤيّدة له؛ هو أنّ السيسي ضاق ذرعاً بفتح مساحات بدأت تتحوّل تدريجياً إلى منصات لانتقادات يوجهّها الإعلاميون أو ضيوفهم لسياسات الوزارات والقطاعات المختلفة، حتى وإن لم يتطرقوا إلى اسم السيسي أو مدير مخابراته عباس كامل شخصياً. إذ يعتقد السيسي أنّ فتح المجال لهذه المعارضة بحدودها الدُّنيا والضعيفة سيمهّد الطريق لإعادة فتح المجال العام مرة أخرى، الأمر الذي لا يرغب فيه، إطلاقاً.
وأوضحت المصادر أنّ بعض الشخصيّات الإعلامية الكبيرة ستمنع من الظهور على الشاشة لفترات طويلة، وربما للأبد، بسبب انتقادها قرارات زيادة أسعار الغاز والكهرباء والمياه والمحروقات مؤخراً، ومطالبتها بترشيد الإنفاق الحكومي، والحدّ من إنفاق أموال طائلة على مشروعات ضخمة من دون عوائد ملحوظة.
وتأتي هذه الإجراءات بعد أيام من إطلاق قناة "بيراميدز" التي تُعتبر الجناح الرياضي للمشروع الإعلامي السعودي في مصر، وحصولها على حقوق بث الدوري المصري، رغم كونها قناةً تابعةً لنادٍ رياضي منافسٍ في الدوري، بالمخالفة للوائح اتحاد الكرة. وذلك بناءً على اتفاق بين تركي آل الشيخ وعباس كامل، وهو المشروع الذي يهدف إلى تحقيق أرباح للسعودية وضمان تغلغلها في الرياضة المصرية، بالتوازي مع التخفّف من الأعباء المالية التي فشلت الأجهزة السيادية في تحملها نتيجة استحواذها على الفضائيات.
وكانت هذه الخسائر المالية، ومنها ما تكبّدته قنوات "أون"، تحت إدارة رجل الأعمال المقرب من النظام أحمد أبو هشيمة، نتيجة إنفاقه مئات الملايين من الدولارات على شركة "إعلام المصريين" من دون تحقيق أي أرباح تذكر، سبباً رئيسياً لسحب الشركة منه ونقلها للصندوق الاستثماري الجديد "إيجل كابيتال"، إذ باتت سياسته غير ملائمة للتطلعات والإمكانات أيضاً، بعدما تسبب اندفاعه في دفع مئات الملايين من الجنيهات لاستقدام نجوم الرياضة والفن وإنتاج برامج خاصة بهم، فضلاً عن إنتاج بعض المسلسلات عالية التكلفة، في تحقيق خسائر متتالية للشركة، وقفت حائلاً أمام طرح أسهمها في البورصة.



وتسيطر أجهزة السيسي حالياً على المستويين المالي والإداري في معظم شبكات القنوات الفضائية المصرية؛ وهي "أون"، "دي إم سي"، "سي بي سي"، "النهار"، "الحياة"، "العاصمة"، مع بقاء شبكة "دريم" مملوكةً لرجل الأعمال المديون للدولة والمتعثر أحمد بهجت، وقناة "القاهرة والناس" المملوكة لرجل الدعاية الموالي للنظام، طارق نور.
كذلك تصعّد أجهزة السيسي ضغوطها على مختلف وسائل الإعلام لإحكام السيطرة عليها، وآخرها كان الاستحواذ على حصة رجل الأعمال نجيب ساويرس المقدرة بثلث إجمالي أسهم صحيفة "المصري اليوم" ثم فرض تغيير رئيس تحريرها، على خلفية نشر الصحيفة عنواناً عن حشد الدولة للناخبين للمشاركة في انتخابات الرئاسة الأخيرة.