المرأة السودانية العاملة... إنجازات تاريخية لم تكتمل

08 مارس 2019
الصورة
يساعدهن العمل في إعالة الأسرة (Getty)
+ الخط -
دفعتها الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة في السودان، إلى ترك مقاعد الدراسة ومغادرة دارفور، حيث النزاع المسلح، واتجهت رفقة أسرتها صوب الخرطوم، وهناك استطاعت الشابة السودانية سمية هرون (22 عاماً)، الاشتغال عاملة نظافة، في شركة خاصة بالعاصمة مقابل 200 جنيه أسبوعياً، ما يعادل نحو 4 دولارات أميركية فقط، أي 20 دولاراً في الشهر.

تقول سمية لـ"العربي الجديد"، إنها تمنح قسطا من المبلغ لمساعدة أسرتها المكونة من 5 أفراد، فيما تجتهد في تخصيص بعضه لاحتياجاتها الخاصة، موضحة أنها حاولت زيادة دخلها من خلال بيع القهوة للموظفين داخل الشركة، ما يوفر لها 200 جنيه إضافية في الأسبوع، وتقارن بينها وبين زميلها الذي يقوم بالمهام نفسها، لكنه يحصل على ضعف ما تحصل عليه.

وتوضح سمية، أنها تواجه مشكلات أخرى منها عدم توفر البيئة المناسبة لها وعدم وجود رعاية صحية، والتعامل المهين من بعض موظفي الإدارة والاقتطاعات غير المبررة.

سمية هرون ليست وحدها من تكتوي بواقع سوق الشغل في السودان، فهناك آلاف النساء يواجهن مشاكل كثيرة بعد دخولهن لهذا السوق سواء لأسباب اختيارية أو نتيجة لظروف قاهرة.

وتكشف آخر الدراسات أن 60 في المائة من الأسر السودانية تتكفل نساء بإعالتها، وأن النساء توزعن على مختلف الوظائف العامة والخاصة والهامشية، وتشير الدراسات إلى أن نسبة النساء العاملات في الخدمة المدنية تصل إلى 57 في المائة، بينما تصل في بعض المهن إلى نحو 40 في المائة.

ويقول الباحث الاجتماعي، أشرف أدهم، لـ "العربي الجديد"، "عرف المجتمع السوداني تطورات مجتمعية متنوعة في السنوات الأخيرة جعلت من خروج المرأة للتعليم والعمل أمرا طبيعيا، مشيراً إلى أن طموحات المرأة باتت واسعة لتحقيق ذاتها وهو بخلاف ما كانت عليه قبل 100 عام".

ويضيف الباحث أنّ "الظروف الاقتصادية عزّزت قبول المجتمع لعمل المرأة سواء في الخدمة العامة أو التعليم أو التجارة، مبينا أن المرأة صارت اليوم جزءا أساسياً من عملية التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وكثير من شباب اليوم بات يفكر في الارتباط بفتاة عاملة حتى تتحمل معه مسؤولية المعيشة مستقبلاً".

ويوضح أنّ خروج المرأة للعمل كان له تأثيره على الاستقرار الأسري، بابتعاد الأم عن أطفالها طوال ساعات النهار، ما أثر تحديداً على التنشئة الاجتماعية وبالتالي على مستقبل الأبناء، داعياً المؤسسات الحكومية والخاصة إلى توفير بيئة للأطفال تكون قريبة من مكان العمل حتى تستطيع المرأة أن تكون قريبة من أطفالها.

من جهتها، ترى تهاني عباس الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق المرأة، أن أول عائق أمام عمل النساء في البلاد هو غياب فرص التعليم المتساوية بين الرجل والمرأة خاصة في الريف السوداني، موضحة أنه وإلى وقت قريب كانت كليات النفط تخصص للبنين فقط، كما أن الكثير من النساء يحرمن من الوظائف على أساس النوع، وفقا لتوجهات إيدولوجية.

وتضيف الناشطة لـ"العربي الجديد"، أنّ كفاح المرأة السودانية الذي بدأ في الستينيات بواسطة الاتحاد النسائي من أجل الأجر المتساوي، لم يصل بعد إلى نتائج مقبولة رغم الإنجازات التي حققها، مشيرة إلى أبعاد اجتماعية تحول دون مواصلة المرأة لعملها لأن هناك كثيرا من الأزواج يمارسون سلطة ذكورية ويمنعون زوجاتهم عن العمل، وبالتالي يتفرغن للأعمال المنزلية ورعاية الأبناء.

وتشير تهاني إلى أنّ بيئة العمل نفسها في الغالب تفتقر لأبسط احتياجات النساء، بما في ذلك الاستراحات الخاصة، فضلا عن التمييز المستمر بين الرجل والمرأة، مع التعرض للتحرش والابتزاز الجنسي، وعدم منحهن عطلة اليوم الصحي ولا ساعات رضاعة أطفالهن، فضلاً عن عدم إيجابية قوانين العمل في إنهاء التمييز بين الرجل والمرأة، لافتة إلى أنه مع تلك الظروف لجأت المرأة لمجال التعليم في مرحلتي الأساسي والثانوي، بنسبة كبيرة كخيار أقل كلفة.

وتبرز أن الإشكالية الكبرى هي تلك التي تواجهها العاملات في المهن الهامشية سواء في بيع الشاي والأطعمة أو عاملات المنازل، مبينة أن معظمهن نازحات من مناطق الحروب والنزاعات، وأنهن خرجن للعمل لأسباب قاهرة، منها غياب العائل أو هروبه من البيت، مشيرة إلى أنهن يواجهن المطاردات اليومية بواسطة السلطات ومصادرة أدواتهن والمحاكمات الجائرة بالغرامات، وملاحقتهن بالوصمة الاجتماعية.

غير أن الأمينة العامة السابقة لاتحاد المرأة السودانية، مريم جسور، لها رأي مختلف، تشير فيه إلى الأدوار التاريخية للمرأة السودانية التي جعلتها حاضرة في مجال العمل العام والعمل السياسي، وحتى مجالات الدفاع عن الوطن، مشيرةً إلى أن نضال المرأة نزعت به حق المشاركة السياسية بالترشيح في الانتخابات قبل النساء في بريطانيا.

وتبين لـ"العربي الجديد"، أنّ قوانين العمل في السودان منذ العام 1966 بدأت تمنح النساء حقوقهن في العمل، وأن دستور البلاد الحالي، تحديداً في المادة 32، يحقق المساواة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين الرجل والمرأة، وأن المادة 156 منعت بوضوح تام التمييز على أساس النوع، والاعتماد على الكفاءة كفيصل للحصول على الوظيفة، مبينة أن نسبة وجود المرأة في الخدمة المدنية تصل أحياناً في بعض المؤسسات إلى أكثر من 67 في المائة، كما في وزارة المالية الاتحادية.

وتوضح جسور أن الأجور متساوية تماماً بين الرجل والمرأة، وأن أي حديث غير ذلك مجرد "إشاعة".

وحول منع النساء من بعض الوظائف، تبرز أن "سببه عدم ملاءمة الوظيفة طبيعة المرأة، وأن القصد هو حمايتها من الأضرار الصحية، وهذا أمر تنص عليه كل القوانين الدولية"، فيما تقول إن قيام النساء بالمهام المنزلية يتم برضاهن وبحب منهن لقيمة الأسرة، ما جعل المجتمع السوداني الأكثر تماسكاً.

وبشأن ما تتعرض له العاملات في المهن الهامشية، تعلق مريم جسور، بأن ما يحدث نتاجه الفعلي هو عدم إلمام العاملات أنفسهن بحقوقهن، خاصة في ولاية الخرطوم التي أجازت قبل سنوات قانوناً هدفه حماية المرأة العاملة، وعدم مطاردتها أو فرض رسوم عليها، بل وإعفاؤها من الضرائب، لافتة إلى أن القانون ذاته نصّ على تشكيل هيئة مهمتها توفير التمويل اللازم للنساء حتى يتمكن من تدشين أعمالهن الخاصة.

وتضيف أن المرأة العاملة في كل البلدان العربية أمامها 3 تحديات رئيسية، أولها إتقان العمل وثانيها إزالة الصورة الذهنية للمرأة العربية، والثالث العمل على توفير تمويل للمشروعات.

المساهمون