المدينةُ التي تقبر الصواعق

20 مايو 2020
الصورة
غرافيتي بالقرب من العاصمة الفنزويلية كراكاس (Getty)
+ الخط -

في كلِّ لحظة يمتلئُ فيها الفضاءُ بأصواتٍ شعريّة يكون الكثير منها متناغماً أو متكاملاً، أو على الأقلّ صحيحاً، لكنَّ القليل منها ما يكون، حقّاً، صرخات شعريّة أصليّة.

تحديداً من هذه الأصالة، وأقصد هنا بالأصالة ابتكار أسلوب شعريّ جديد داخل اللغة نفسها، وتالياً رؤية جديدة للعالم وأشيائه، تبدأ تجربة الشاعر الفنزويليّ دانيبال ريّس أومبريا (1976)، وهي تجربةٌ لا تزال قيد التفتُّح والنموّ.

تنبع هذه التجربة، ولا سيّما في ديوانه "مدينة، قبراً للصواعق" (آثرنا هذه الترجمة القلقة للعنوان الإسباني)، من رؤية شعريّة خاصّة للعالم تتمحور، أساساً، حول حياة البشر اليوميَّة ضمن أسوار المدينة، والثقافة الحديثة الناتجة عن هذه المدينة التي كانت أو صارت قبراً لكلِّ شيء، بما في ذلك الصواعق.

للمدينة، بهذا المعنى، وجهان: وجهٌ مفتوح على الماضي، وآخر على المستقبل. يفصح دانيبال ريّس عن هذين الوجهين عبر بطاقاته البريديّة معبّراً عن الحياة اليوميّة وعناصرها تارةً بصوته، وتارةً بصوت سكّان المدينة، وتارة أخرى بصوت الحبيبة: الحديث عن الطعام، الشراب، المراكز التجاريّة، الجنس والعمل، الممارسات والقيم الاجتماعيّة.

ومن الطبيعيّ أن تقابل هذه الحياة اليوميّة أو الثقافة اليوميّة، بمستواها العاديّ، والمطروحة بهذه الطريقة، حياةٌ أخرى تتحرّك داخل عوالم الشاعر الداخليّة، حياةٌ تتناقض وتتعارض، بالضرورة، مع عناصر الحياة العاديّة وثقافتها. بين هاتين الحياتين، الخارجيّة والداخليّة، المُعلنة والمكبوتة، يبتكر دانيبال ريّس مساحاته الشعريّة فيجعل الأشياء والمفردات تدخل في دوّامات مضطربة، خالقاً علاقات جديدة بين اللّغة والأشياء، الطبيعة وعناصرها، ومؤكّداً، في نهاية المطاف، تغلُّب عالمه الذاتيّ الداخليّ على العالم الخارجيّ الموحش وثقافته اليوميّة. إنّه، بشكل من الأشكال، رفضٌ لهذه الثقافة السائدة ولهذه الحياة اليوميّة التي تحدث ضمن المدينة التي، حسب تعبيره: "لا موانئ له فيها".

دانيبال ريّس شاعر فنزويليّ علّق صوته في فضاء شعرية اللغة الإسبانية منذ أعماله الأولى، ويمكننا أن نتخيّل أية مسارات خصبة تنتظر تجربته. ديوانه "مدينة، قبراً للصواعق"، التي اخترنا منها هذه القصائد المنشورة في هذه الصفحة، هو مشروع جديد وابتكار لرؤية شعريَّة جديدة في هذا العالم الذي لم يعد، منذ زمن، العالم الذي عرفناه.


* كاتب ومترجم سوري مقيم في إسبانيا

المساهمون