المخيّمات الفلسطينية والانتخابات الأردنية: شعارات القضية والمواطنة

المخيّمات الفلسطينية والانتخابات الأردنية: شعارات القضية والمواطنة

17 سبتمبر 2016
الصورة
القوة التصويتية بالمخيمات تحسم بعض النتائج (العربي الجديد)
+ الخط -
يوفّر موسم الانتخابات البرلمانية في الأردن، منذ عودة الحياة النيابية في المملكة عام 1989، بيئة خصبة لنمو الهويات والولاءات المناطقية والعشائرية والمصالح الشخصية والمحسوبية، التي يتم استثمارها على أوسع نطاق من قبل المرشحين الطامحين للوصول إلى قبة البرلمان.

وقد رسّخت الهويات والولاءات الفرعية، فضلاً عن البنية العشائرية للمجتمع الأردني وتعدد منابته وأصوله، قانون الصوت الواحد، الذي اعتُمد منذ الانتخابات التي جرت في عام 1993، وحتى تلك التي جرت عام 2013، منتجاً جملة من المصطلحات الانتخابية المدللة على الدور الذي تؤديه الهويات الفرعية في المشهد الانتخابي، على غرار "مرشح العشيرة" و"صوت العشيرة" و"نائب المنطقة" و"نائب البزنس (الأعمال)". كما برزت مصطلحات أخرى تعبّر عن أثر المكون الفلسطيني في العملية الانتخابية، مثل "الصوت الفلسطيني" و"مرشح المخيم" أو "نائب المخيم".

مع العلم أن الانتخابات النيابية المقررة يوم الثلاثاء المقبل، تجري وفقاً لقانون جديد يعتمد القوائم النسبية المفتوحة، وهو القانون الذي يمثل تحجيم وتقليل أثر الهويات الفرعية في العملية الانتخابية أحد أهدافه، لكن خريطة التحالفات الانتخابية تؤكد أن هدف القانون لم يتحقق، كون الهويات الفرعية تواصل فعلها التاريخي في المشهد الانتخابي، ومنها تلك التي تسعى لاستقطاب الأردنيين من أصول فلسطينية (الصوت الفلسطيني)، تحديداً في مخيمات اللاجئين.

أهمية الصوت الفلسطيني في الانتخابات أو التمثيل الفلسطيني في البرلمان، تفرضها القوة التصويتية التي يمتلكها الأردنيون من أصول فلسطينية، ويزيد من أهميتها في المخيمات تكتل القوة التصويتية في حدود دائرة انتخابية واحدة، بشكل يعطيهم الأفضلية في تحديد هوية المرشحين الفائزين بالانتخابات. ووفقاً لإحصائيات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، يعيش في الأردن نحو مليونين و220 ألف لاجئ فلسطيني، منهم نحو مليونين و80 ألف يتمتعون بمواطنة كاملة تخوّلهم حق المشاركة في الانتخابات ترشحاً واقتراعاً. ويتوزع هؤلاء على جميع محافظات المملكة ومناطقها، ويتباين ثقلهم السكاني من مكان إلى آخر. في المقابل، يقيم نحو 17 في المائة من اللاجئين في المخيمات البالغ عددها 13 مخيماً، عشرة منها رسمية وثلاثة غير رسمية.

تعتبر مناطق الثقل السكاني للأردنيين من أصول فلسطينية المقيمين خارج المخيمات، أو أولئك المقيمين داخل المخيمات ومحيطها، مراكز استقطاب رئيسية للمرشحين للانتخابات سواء كانوا من أصول فلسطينية أو شرق أردنية، لقناعتهم بدورها في حسم المعركة الانتخابية لصالحهم حال تمكنوا من استقطابها.


في سبيل الاستقطاب، ترفع خلال مرحلة الدعاية الانتخابية في مناطق الكثافة التصويتية للأردنيين من أصول فلسطينية، وفي الدوائر الانتخابية التي تقع المخيمات الفلسطينية ضمن حدودها، شعارات انتخابية تتصل بالقضية الفلسطينية وواقع اللاجئين الفلسطينيين. وتتراوح تلك الشعارات بين العناوين السياسية، كالوعود بالعمل على تحرير فلسطين "من البحر إلى النهر" وضمان عودة اللاجئين إلى بلادهم، وإلغاء معاهدة السلام الأردنية - الفلسطينية (وادي عربة) وطرد السفير الإسرائيلي من عمّان، وصولاً إلى شعارات تتعلق بمقاومة التطبيع مع العدو. كما تحضر الشعارات الخدمية التي تعهّد فيها المرشحون بتحسين الخدمات داخل المخيمات، والعمل على رفع حصة الأردنيين من أصول فلسطينية بالوظائف في القطاع الحكومي.

الشعارات ذاتها تتكرر تقريباً في كل موسم انتخابي، حتى من قبل المرشحين الذين سبق لهم أن فازوا في انتخابات سابقة، وأثبتت التجربة العملية عجزهم عن تطوير شعاراتهم تلك إلى خطط وبرامج قابلة للتطبيق. أعضاء مجلس النواب السابق، الذين ترشح نحو 100 منهم في الانتخابات المنتظرة أخفقوا ثلاث مرات في إلزام حكومة بلادهم بطرد السفير الإسرائيلي من عمّان. كما أخفقوا في ثنيها عن المضي في اتفاقية استيراد الغاز من إسرائيل، حتى بعد أن صوّتوا بالإجماع أو الأغلبية على طرد السفير أو رفض اتفاقية الغاز، كما أعاقوا النظر في مشروع قانون لإلغاء معاهدة وادي عربة. وفيما يتصل بالخدمات، فإن سنوات طويلة من المطالبات داخل المجلس، لم تحدث فرقاً جوهرياً على طبيعة الخدمات المقدمة داخل المخيمات، خصوصاً أن المسؤولية عن الجزء الأكبر من تلك الخدمات تقع على عاتق "أونروا"، لا على الحكومة الأردنية.

خلال الانتخابات النيابية السابقة التي جرت على أساس "قانون الصوت الواحد"، ظهر المكون الفلسطيني في المخيمات أكثر انغلاقاً على نفسه، لا سيما في المخيمات التي كانت تقع ضمن دائرة انتخابية خُصص لها مقعد نيابي واحد. مثال على ذلك، مخيم البقعة، المتاخم للحدود الشمالية الغربية للعاصمة، الذي حافظ خلال جميع الانتخابات النيابية السابقة على فوز مرشح من سكان المخيم أو من أصول فلسطينية، في حال كان يقيم خارج المخيم وضمن حدود الدائرة الانتخابية التي يقع فيها المخيم. وبات يُطلق على مقعد تلك الدائرة مصطلح "مقعد المخيم" أو "نائب المخيم"، وذلك على الرغم من وجود كثافة سكانية لعشائر من الشرق الأردني تقيم داخل حدود الدائرة الانتخابية.

ويقع مخيم البقعة ضمن محافظة البلقاء، التي كانت مقسمة إلى أربع دوائر انتخابية، وهو ما جعل من الدائرة الانتخابية التي يقع فيها المخيم معزولة ومحسومة لناخبي المخيم. أما اليوم، فقد بات المخيم ضمن دائرة انتخابية تشمل كامل محافظة البلقاء، خُصّص لها 10 مقاعد. وبالنظر إلى القوائم الانتخابية في دائرة البلقاء، فإن أياً منها لم يخلُ من مرشح من داخل المخيم أو محيطه، الذي يغلب على المقيمين فيهـ أنهم في الأصل كانوا من سكان المخيم، الذين يشكل عدد الناخبين منهم نحو 30 في المائة من مجموع عدد الناخبين في المحافظة.

لم يتمكن المخيم ومحيطه من تشكيل قائمة انتخابية تمثله، غير أنه في المقابل لم تستطع أي قائمة تشكّلت في الدائرة الانتخابية تجاوزه. ورفعت جميعاً شعارات تتصل بالقضية الفلسطينية وحقوق اللاجئين وتحسين ظروف عيشهم، فيما يتواصل الاصطفاف داخل المخيم لحجز مقعد نيابي لأحد مرشحيه، ضمن معادلة انتخابية قد تؤدي إلى احتمال خسارة جميع المرشحين عن المخيم.

ما ينطبق على مخيم البقعة ينسحب على جميع المخيمات تقريباً، مع تباينات شكلية فيما يتعلق بالتغييرات التي أحدثها قانون القوائم النسبية على تلك التي رسخها قانون الصوت الواحد، من ناحية توسيع الدوائر الانتخابية التي تتواجد فيها المخيمات وعدد المقاعد المخصصة لها.

أما المخيمات الواقعة ضمن حدود دائرة انتخابية، فقد خُصّص لها أكثر من مقعد نيابي، على غرار مخيمي الوحدات والحسين في العاصمة عمّان، أو مخيمي إربد وعزمي المفتي في محافظة أربد (شمال عمّان). بالتالي فإن الناخبين كان يحرصون على ضرورة فوز مرشح من أصول فلسطينية كـ"ممثل المخيم"، من دون أن يمنع ذلك جزء من الناخبين عن دعم مرشحين من خارج المخيم أو من أصول غير فلسطينية. وهو ما أنتج شكلاً أكبر من التفاعل بين تلك المخيمات والمرشحين على اختلاف أصولهم، كما فرض تنافساً أكبر بين المرشحين على استقطاب جمهور الناخبين داخل المخيمات أو تجمّعات الأردنيين من أصول فلسطينية.

في الانتخابات المنتظرة فرض قانون الانتخاب الجديد، الذي ألزم المرشح خوض الانتخابات من خلال قائمة انتخابية، كما وسع الدوائر الانتخابية، سلوكاً جديداً في تعامل "الصوت الفلسطيني" أو "مرشح المخيم". كما فرض على المرشحين في الدوائر الانتخابية التي تحتوي مخيمات فلسطينية شكلاً جديداً في عملية الاستقطاب.

المساهمون