المخيم في المخيال الفلسطيني

04 اغسطس 2020
الصورة

أملت مستجدّات مخيم اليرموك هذه المقاربة... إذ بعد أن دمرته واقتلعت معظم سكانه، شرعت السلطات السورية أخيرا في عمليات تجريف لبنيته، وهو الشاهد على جريمتين متعاقبتين (الأولى قبل 72 سنة)، حيث يجري اقتراف هذا الفعل بذريعة إعادة تنظيم المخيم الواقع على تخوم العاصمة دمشق، الأمر الذي أثار حفيظة رهط من الكتاب والمثقفين الفلسطينيين السوريين على وجه الخصوص، وأطلق حملة استنكار من أبناء المخيم المشرّدين في الخارج، مرفقة بدعوة مفعمة بالأسى، تطالب كل رب أسرة بتوثيق إحداثيات موقع منزله على خريطة غوغل.
ليست هذه هي المرة الأولى التي تفاجئني مثل هذه الحميّة الشديدة من سكان مخيم فلسطيني، إزاء أي اعتداء أو مسّ بملاذاتهم المؤقتة، أو التعرّض لمسقط رأس الكثرة الكاثرة منهم، فقد وقفت على مثل هذه الحالة، المشوبة بعاطفة حارّة، تجاه مخيمات أخرى في أقطار محيطة، حيث كانت تنتابني الدهشة، ويفغر فمي أحياناً، عندما كنت أجد بعضهم يضفي، في معرض الدفاع عن حوزته الأخيرة، هالةً من القداسة والطهارة على المخيم، ويتحدّث عنه كوطن متخيّل، لا مكان عيش انتقالي، كما يعلم في قرارة نفسه.
لا أود أن أبدو في هذا المقام كذلك المستشرق الذي فهم أن الحسن والحسين هما من بنات معاوية بن أبي طالب، سيما وأنني لست ممن خبروا الحياة في المخيم، ولا ممن تشكلت شخصياتهم داخل حوائط بيوته المتراصفة، واكتسبوا في فضاءاته خاصية قهر القهر، وإعادة بناء النفس من تحت الصفر، وتمتّعوا بصلابةٍ شخصيةٍ وقيم ثورية، غير أنني لست غريب الدار عن هذه العوالم التي عانت الاضطهاد والحصار والتمييز طويلاً، قبل أن تحمل لواء الثورة الفلسطينية المعاصرة، ويخرج من بؤسها بأسٌ شديدٌ أعاد بعث الهوية الوطنية، وأسس للتمثلات الكيانية.
وأحسب أن سبعين سنة من الإقامة المؤقتة، قد خلقت ثم أعادت خلق مفاهيم ومُثل خاصة بمجتمع المخيم الذي راح، بعد طول نبذ وتهميش، يستشعر في أعطافه حسّاً بالأهلية والجدارة المستردّة مع قيام الثورة التي هي في واقع الأمر ثورة المخيم، قياساً بأعداد المقاتلين والقادة الميدانيين والشهداء والأسرى، ويبدو أن هذه النقلة الفارقة في الحياة اليومية والسياسية للمخيم، هي التي كوّنت هذه العاطفة، الملتبسة لدى من يرى المشهد عن بعد.
ذلك أن المخيم الذي كان، بصفيحه وأزقته وأسماله البالية، رمزاً صارخاً للفقر في بداية النكبة، كان يواصل تطوّره الاجتماعي والعمراني الحثيث، اعتماداً على معارف التعليم الحرفي أولاً، وبعد ذلك التعليم المهني، وهما الرافعتان القويتان اللتان نهضتا بالمخيم، وتمخضتا، في زمن نسبي قصير، عن إنتاج طبقة برجوازية صغيرة، وانبثاق نخبٍ ثقافيةٍ متنوعة، ألهبت خيال الأجيال التي شكلت الحواضن الأولى لثورةٍ قلبت واقع المخيم رأساً على عقب.
كان ابن المخيم يتجنب أول الأمر، حين يخرج من معزله للدراسة أو العمل، التعريف بنفسه وتعيين مكان سكنه، كان يداري الحرج ويكابر لاتقاء مهانةٍ محتملة، إلا أنه بعد أن مرّت كل التحولات التي شهدها المخيم، واكتساب الخاصيات التي أخذت تميّز ساكنيه، عن المجتمع القروي على الأقل، أخذ اللاجئ، الفخور بشهادته الجامعية ومهنته الرفيعة، يبدي اعتداداً متزايداً بالنفس، ويغيّر الانطباعات القديمة المأخوذة عنه.
ويبدو أن هذه السيرورة التاريخية، وهذا المسار الشاقّ الذي قطعه المخيم على طول الطريق المديد، من قعر الفقر المدقع إلى سنام الثورة المعاصرة، مروراً بامتلاك مقوّمات المساواة وأدوات الندّية مع محيطه الاجتماعي، وأحياناً التفوق عليه، هي التي أوجدت هذه العواطف الحميمة، وهذا الحنين الجارف تجاه المخيم الذي كان قد فكّ أطواق العزلة عنه، وعمّق من مشاعر الانتماء إلى ما يمكن اعتباره وطناً متخيلاً، على نحو ما ترويه لنا مظاهر التعلق وشواهد الانتماء إلى مطرح مؤقت، وإنْ طال مطاله.
ولعل النفير الذي دعت إليه أخيرا نخبة من أبناء مخيم اليرموك، الذي كثيراً ما تم وصفه عاصمة المخيمات الفلسطينية، لتوثيق الممتلكات، وتعيين الإحداثيات الدالة على أماكن المنازل الجاري جرفها، انتقاماً من رمزية اليرموك على ما يبدو، هي الدليل بعينه على ما ذهبنا إليه في هذه المطالعة التي حاولت استقصاء مكامن هذه العلاقة الخصوصية بالمخيم، وفهم بواطن كل هذا التعلق الاستثنائي، بما أسميناه مجازاً "الوطن المتخيّل".

45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي