المخيمات الفلسطينية في لبنان بمهب كورونا

25 ابريل 2020
الصورة
أحد المخيمات الفلسطينية في لبنان (العربي الجديد)
+ الخط -


لم يكن ينقص المخيمات الفلسطينية في لبنان ولاجئوها إلا كورونا، فالأزمات السياسية والأمنية تلاحقها، وتمددت اليوم إلى الصحيّة، إذ انتشر الهلع والخوف من الفيروس بين صفوف أبنائها مثل كل اللبنانيين، مع فارق كبير، فإجراءات الدولة وهيئاتها الصحية وإجراءاتها الوقائية لم تشملهم، توقفت عند مداخلها، وبقي الأمر "متروكا" على كاهل وكالة "أونروا" بعجزها المالي و"مؤسسات المجتمع المدني" بإمكاناتها المتواضعة، وبعدما كانت تكتفي بالبيانات عقدت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين اجتماعا طارئا في سفارة دولة فلسطين في لبنان بحضور مدير عام وكالة "أونروا" والهلال الأحمر الفلسطيني وحركتي فتح وحماس لفرض متابعة تطورات تفشي هذا الوباء، وطلبت الوكالة من خلال هذا اللقاء مبلغ 14 مليون دولار لمجابهة تفشي فيروس كورونا في أوساط اللاجئين الفلسطينيين في مناطق عملياتها الخمس.

 

في لبنان 12 مخيما، إضافة إلى عدد من التجمعات الفلسطينية، ليست جزرا معزولة عن محيطها اللبناني، تتأثر بها وتتكامل معها في ارتباط دورة الحياة، ما يفرض على أبنائها اتخاذ الإجراءات الوقائية ذاتها، بينما غالبيتهم لا قدرة لهم على شراء مواد التعقيم في الحد الأدنى، مع ارتفاع أسعارها في خضم الإقبال الكثيف عليها، وفي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يترنح منها لبنان والتي تنعكس سلبا ومضاعفا عليهم.

 

في ظل الفقر والعوز، والكفاح من أجل لقمة العيش، ينطبق على أبناء المخيمات، المثل القائل "العين بصيرة واليد قصيرة"، وأن الإجراءات الوقائية العامة والخاصة قد لا تصل إلى مداها اللازم.

 

إن الجهات المعنية والمسؤولة مباشرة عن المخيمات الفلسطينية واللاجئين في لبنان لم تكلف نفسها عناء اتخاذ أي إجراءات حالية على أرض الواقع لمنع تفشي هذا الوباء فيها، فالوزارة اللبنانية ليست معنية لأنها تعتبر أن المخيمات خارج نطاق عملها، وبالتالي فهي لا علاقة لها وأنها ليست المسؤول عن اتخاذ التدابير اللازمة في ظل وجود "أونروا" ومنظمة التحرير الفلسطيني، ولا يوجد سوى مبادرات فردية من المجتمع المحلي وأهالي المخيمات.

 

منظمة التحرير التي يفترض أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني خارج التغطية، ولا شك في أن المخيمات الفلسطينية في لبنان تعاني الأمرين منذ اللجوء عام 1948 ومع تعاقب السنوات ازدادت المأساة والمعاناة، وبالرغم من أن لبنان كان من الدول المصادقة على معظم بنود بروتوكول الدار البيضاء عام 1965، ذلك البروتوكول الذي ينص على ضرورة معاملة الفلسطينيين في الدول العربية التي يقيمون فيها معاملة شعوبهم في إقامتهم وسفرهم وتيسير فرص العمل لهم مع احتفاظهم بالجنسية الفلسطينية، فقد بقي اللاجئون الفلسطينيون في لبنان يعاملون كأجانب محرومين من أبسط الحقوق المنصوص عليها في المواثيق الدولية من حيث العمل والملكية، وما يتفرع عنهما من حقوق كثيرة، ورغم أن لبنان قد أكد في مقدمة دستوره احترامه للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، إلا أن واقع الحال يشير بخلاف ذلك، وهنا استعراض لبعض الحقوق التي يحرم منها اللاجئ الفلسطيني في لبنان.

 

حق العمل

 بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان 1982، أصدرت وزارة العمل اللبنانية القرار 189 بتاريخ 1982 والذي قضى بمنع الفلسطينيين من ممارسة 60 مهنة، بالإضافة إلى مجموعة من القرارات الإدارية صدرت عن وزارة العمل وحددت فيها الشروط الواجب توفرها للحصول على إجازة عمل.

 

ويعاقب كل من يخالف هذه الشروط ويتعرض لملاحقات قانونية وغرامات مالية، كما يعاقب ربّ العمل الذي لا يستوفي الشروط القانونية الخاصة بالعمال الأجانب، مما يدفع رب العمل اللبناني إلى طرد أي عامل فلسطيني لديه، ما لم يكن مستوفياً الشروط القانونية، من دون أن يترتب عليه أية التزامات قانونية ومادية تجاهه، ويمكن تلمّس النتائج المباشرة لهذه السياسة في تفشي ظاهرتي البطالة السافرة والبطالة المقنعة.

 

وإذا استطاع العامل الفلسطيني الحصول على عمل، فإنه يصطدم بمزاجية أرباب العمل لناحية حرمانه من حقه في الضمان الاجتماعي والصحي والتعويض والأجر، ويبقى معرضاً للفصل التعسفي في أية لحظة بدون أي غطاء قانوني.

 

حق المسكن

 

 

بحكم النمو الطبيعي للسكان تضاعفت أعداد اللاجئين عدة مرات منذ عام 1948 حتى اليوم، لتبلغ نسبة النمو 3.3% سنويا حسب معطيات المكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني الذي أجرى عدة مسوحات في الأوساط الفلسطينية في لبنان، وعلى الرغم من ذلك فإن الحكومة اللبنانية تتعاطى مع هذا الأمر انطلاقا من لاءات ثلاث:

 

‌أ- لا لإعادة بناء المخيمات الثلاث المدمرة.

 

‌ب- لا لبناء مخيمات جديدة.

 

‌ج- لا لتوسيع المخيمات القائمة

 

فتبقى المخيمات على مساحتها الأصلية منذ عام 1948 رغم النمو السكاني، ويفترض الحصول على ترخيص من مخابرات الجيش لترميم أو بناء أي منزل جديد في المخيم.

 

 

حق الملكية العقاري

 

 

لقد استثنى القانون رقم 296 والذي أقره مجلس النواب في 21 مارس/آذار 2001 اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من شروط الملكية العقارية المطبقة على سائر الرعايا العرب بذريعة رفض التوطين، ولا يأتي القانون على ذكر الفلسطينيين تحديداً، إنما اشترط أن لرعايا الدول المعترف بها (من قبل لبنان) الحق بتملك عقارات شرط ألا تتعارض هذه الملكية مع مبدأ رفض التوطين الذي كرسه الدستور، ولقد كانت الفقرة الثانية من المادة الأولى من القانون رقم 296 واضحة جدا باستثناء الفلسطينيين من حق التملك، وجاء نص الفقرة على الشكل التالي:

 

"لا يجوز تملك أي حق عيني من أي نوع كان لأي شخص لا يحمل جنسية صادرة عن دولة معترف بها أو لأي شخص إذا كان التملك يتعارض مع أحكام الدستور لجهة رفض التوطين".

 

لا يدور حديث بين قاطني المخيّمات الفلسطينية في لبنان إلّا ويكون موضوع الهجرة حاضراً فيه، ولا يأتي حديث عن الهجرة إلّا ويكون من المؤكد أنّ الحديث سيصل إلى ذكر الصحة والخوف من الموت على باب المستشفى.

 

النظر إلى خيارات العلاج المتاحة للفلسطينيين يشي بحالة مزرية تبدو ذاهبة نحو التدهور في ظل تزعزع وضع وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وما يعكسه ذلك من تقليصات متزايدة في تقديماتها الأساسية في جميع المجالات، وفي مجال الصحة خصوصاً.

 

"أونروا" أو "الوكالة"  كما يسميها الفلسطينيون، هي الجهة الأساسية التي يلجأ إليها اللاجئون الفلسطينيون اليوم حال تعرضهم إلى المرض، توجد عيادات لأونروا في جميع المخيمات الرسمية الاثني عشر في لبنان، وفي معظم تجمّعات اللاجئين الفلسطينيين التي لا تديرها الوكالة رسمياً، تنقسم الخدمات التي تقدّمها هذه العيادات إلى نوعين: الأول هو توفير الرعاية الصحية الأولية وإعطاء الدواء بالمجان عند توفّره، والثاني هو تحويل المرضى ذوي الحالات الأصعب إلى مستشفيات تتعاقد معها أونروا وتغطّي العلاج فيها بشكل كلي أو جزئي.

 

تشير دراسة رسمية إلى أن 95 في المئة من الفلسطينيين في لبنان ليس لديهم أي شكل من أشكال التأمين الصحي، النسبة بين اللبنانيين وفق هذه الدراسة هي 51.7 في المئة، وهذا يقول إن المأساة الصحية مشتركة بين الجميع في لبنان، وإنْ تفاوتت الدرجات، هذه الحالة ليست مثالية بالطبع، لكن سكان المخيمات سوف يتمنون العودة إليها في المستقبل، إذا ما صار تقلص الميزانية العامة لأونروا أمراً واقعاً بفعل استمرار توقف الولايات المتحدة عند دفع التزاماتها للوكالة، هذا وقد برز خيار دمج المراكز الصحية بحيث لا يعود لكل مخيّم عيادته الخاصة، بل يصبح في كل منطقة عيادة مركزية في أحد المخيمات. يعرف الفلسطينيون جيداً هذا الخيار حيث اختبروه مع "منظمة الهلال الأحمر الفلسطيني" التابعة لمنظمة التحرير التي كان لها مستشفى فعال في كل مخيم فلسطيني، ثمّ أصبح العمل مركّزاً في مستشفى واحد في كل منطقة (5 مستشفيات على مستوى لبنان)، وأصبحت المستشفيات الأخرى خاوية إلّا من بعض المعدات البسيطة وكوادر صغيرة يحصل بعض المنضوين فيها على رواتب رمزية من منظمة التحرير ويعمل البعض الآخر متطوعاً.

 

 

 

 

المعروف أن المخيمات الفلسطينية في لبنان تمر بأزمة اقتصادية خانقة، انعكاس طبيعي لما يمر به لبنان برمته ولا مغالاة في القول إن أغلب العائلات التي تعيش في المخيمات لا تجد قوت يومها، ومن دون شك فإن قرار إغلاق المؤسسات في أزمة وباء كورونا سيضاعف حجم الأزمة والمعاناة وهذه القضية محورية ولا ينبغي أن تبقى المبادرات فردية في الحماية والوقاية بل يجب أن تأخذها الجهات المعنية، لا سيما "أونروا" والقيادة الفلسطينية باعتبار ما يعني أنه من الضروري أن يتم توزيع مساعدات نقدية عاجلة للاجئين إنقاذا للموقف.

 

إن المجتمع الدولي، بما في ذلك الدول المضيفة ومجتمعاتها، ملزمة بتقديم الحقوق الأساسية والحريات للاجئين ضمن حدودها. إن هذه الالتزامات تنبثق من قوانين حقوق الإنسان الدولية، علاوة على النظام العالمي لحماية اللاجئين، وفي العقود الثلاثة الماضية، كان هناك تصديق واسع النطاق على كل اتفاقيات حقوق الإنسان من قبل دول الشرق الأوسط.

 

وعموما، فإن هناك بعض الفروق المسموح بها في قانون حقوق الإنسان، وذلك في ما يتعلق بمعاملة مواطني الدولة مقابل غير المواطنين، إن الدول الأطراف في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وللعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ملزمة بالتقيد بمبدأ عدم التمييز، وملزمة أيضا بضمان التحقيق التدريجي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لكافة سكانها، كما أن الدول الأطراف بمواثيق حقوق الإنسان ينبغي عليها أن تضمن بأن سياساتها لا ينتج عنها أضرار جسيمة للسكان اللاجئين الذين يقيمون ضمن حدودها، إن معايير الكرامة والإنصاف تلك توفر الحماية وتعمل على إعطاء الأمل لكافة اللاجئين في دول اللجوء.

 

وبعبارات أوضح، فإن تلك الالتزامات ينبغي أن تتم ترجمتها إلى حمايات أساسية قانونية ضد المعاملة التعسفية أو غير الإنسانية وتسمح بإمكانية الوصول إلى الفرص الاجتماعية والاقتصادية، إن تلك الحقوق، بما فيها تلك الواقعة تحت أنظمة الحماية المؤقتة، قد أصبحت تعتبر المفتاح من أجل تمكين الاعتماد الذاتي والتنمية للاجئين خلال الفترات الممتدة من النفي، وبالنسبة للدول المضيفة، فإن شرط حقوق الإنسان للاجئين على أراضيها يمكن أن يترجم إلى منافع اقتصادية، ويعمل على تحسين الانسجام الاجتماعي إلى أن يتم التوصل إلى حلول دائمة، وللأسف، فإن الظروف التي يعيش في ظلها اللاجئون الفلسطينيون في لبنان أقل بكثير من تلك المتطلبات الشائعة.

 

المساهمون